غلاء المعيشة في لبنان: لماذا لا يشعر المواطن بتحسّن الاقتصاد؟

الأسعار ترتفع… فهل تلحق بها القدرة الشرائية؟

قد يبدو الحديث عن تحسّن بعض المؤشرات الاقتصادية في لبنان منفصلًا عن الحياة اليومية للمواطن. فحتى عندما تظهر مؤشرات على استقرار نسبي في بعض جوانب الاقتصاد، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه في الشارع أكثر مباشرة: 

لماذا لا نشعر بهذا التحسّن في قدرتنا على شراء حاجاتنا الأساسية؟

الإجابة تبدأ من حقيقة بسيطة: استقرار الاقتصاد لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار. فإذا تباطأ ارتفاع الأسعار، فهذا لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، بل يعني في كثير من الأحيان أنها أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ.وتظهر أحدث البيانات الرسمية الصورة بوضوح.

فقد أعلنت إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشر أسعار المستهلك في لبنان ارتفع خلال آب 2026 بنسبة 1.40% مقارنة بشهر تموز، وبنسبة 16.66% مقارنة بآب 2025. أي أن متوسط أسعار السلع والخدمات التي يقيسها المؤشر كان أعلى بشكل ملحوظ مما كان عليه قبل عام.

وهذا الرقم لا يعني أن كل سلعة ارتفعت بالسعر نفسه، إذ تختلف حركة الأسعار بين القطاعات والمناطق، كما أن نمط إنفاق كل أسرة يختلف عن الأخرى. لكنّه يعطي صورة عامة عن استمرار الضغوط على كلفة المعيشة.

المشكلة ليست في الأسعار وحدها

العبء الحقيقي على الأسرة لا يتحدد بسعر السلعة فقط، وإنما بالعلاقة بين الأسعار والدخل.

فعندما يرتفع راتب الموظف، ولكن ترتفع في الوقت نفسه كلفة الغذاء والنقل والسكن والتعليم والطبابة والخدمات، فإن الزيادة الاسمية في الدخل قد لا تعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في القدرة الشرائية.وهنا يظهر الفرق بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي. 

الأول هو الرقم الذي يتقاضاه الشخص، أما الثاني فهو ما يستطيع هذا الدخل أن يشتريه فعليًا.ولهذا يمكن للمواطن أن يحصل على زيادة في دخله، ثم يكتشف بعد فترة أن الزيادة لم تمنحه بالضرورة مستوى معيشة أفضل، لأن جزءًا كبيرًا منها امتصته الزيادات في الأسعار.

المواطن يواجه «تضخمًا متراكمًا»

من أهم النقاط التي ينبغي فهمها أن التضخم لا يعمل بطريقة عكسية بمجرد انخفاض معدله.فإذا ارتفعت الأسعار بقوة خلال سنوات الأزمة، ثم أصبح معدل الارتفاع أقل، فإن ذلك لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. بل تبقى الأسعار عند المستوى المرتفع الجديد، وتستمر في الارتفاع إذا ظل التضخم موجبًا.

وهذا ما يجعل المواطن يشعر بأن الأزمة مستمرة حتى عندما تتحدث التقارير الاقتصادية عن استقرار نسبي.

فالمشكلة بالنسبة إلى الأسرة ليست فقط: كم ارتفع السعر هذا الشهر؟ بل أيضًا: إلى أي مستوى وصل السعر أصلًا؟

الأجور أمام اختبار القدرة الشرائية

تُظهر دراسة لصندوق النقد الدولي حول الإنفاق على موظفي القطاع العام في لبنان أن الأزمة الاقتصادية أدت إلى تآكل كبير في القيمة الحقيقية للأجور، وأن التعويضات الحقيقية والمعاشات بقيت، وفق السيناريو الأساسي للدراسة، دون مستويات ما قبل الأزمة حتى عام 2029.

وهذا يوضح أن معالجة الأجور ليست مجرد زيادة رقمية في الرواتب، وإنما قضية مرتبطة بالتضخم والإيرادات العامة والمالية العامة والقدرة على تمويل الدولة.ومن هنا تصبح أي زيادة في الأجور أكثر فاعلية عندما تترافق مع سياسات تساعد على ضبط الأسعار وتحسين الإنتاجية وتأمين الخدمات الأساسية، بدل أن تتحول الزيادة نفسها إلى عامل إضافي في ارتفاع كلفة الاقتصاد.

الطاقة والنقل… حلقة تمتد إلى كل شيء

في الاقتصاد اللبناني، لا يمكن النظر إلى أسعار السلع بمعزل عن كلفة الطاقة والنقل.فعندما ترتفع كلفة الوقود والطاقة، تتأثر كلفة الإنتاج والتوزيع والنقل، ومن ثم تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى أسعار العديد من السلع والخدمات.

وقد أشار صندوق النقد الدولي في أحدث تقييم له في أيلول 2026 إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة ساهم في اتساع عجز الحساب الجاري، فيما بقي التضخم في لبنان ضمن خانة العشرات. 

كما أشار إلى استمرار الضغوط الكبيرة على الاقتصاد ومستويات المعيشة.وهكذا يصبح المواطن أمام سلسلة مترابطة: طاقة أغلى، نقل أغلى، إنتاج وتوزيع أكثر كلفة، ثم أسعار أعلى.

ليست كل الأسر متساوية أمام التضخم

هناك جانب اجتماعي مهم غالبًا ما يغيب عن النقاش الاقتصادي، وهو أن التضخم لا يؤثر بالطريقة نفسها على جميع الأسر.فالأسرة ذات الدخل المحدود تنفق نسبة أكبر من دخلها على الضروريات، مثل الغذاء والسكن والطاقة والنقل والدواء. 

ولذلك فإن ارتفاع أسعار هذه البنود يمكن أن يضغط عليها بصورة أكبر من أسرة ذات دخل مرتفع تستطيع تخصيص جزء من دخلها للادخار أو للإنفاق على الكماليات.لهذا السبب، فإن قراءة التضخم من خلال رقم واحد مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم التجربة اليومية للمواطن.

هل يعني الاستقرار الاقتصادي تحسن الحياة؟

الاستقرار الاقتصادي مهم، لكنه ليس الهدف النهائي بحد ذاته.فالاقتصاد الذي ينجح في تحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف أو في بعض المؤشرات المالية، يحتاج في مرحلة لاحقة إلى تحويل هذا الاستقرار إلى تحسن ملموس في حياة الناس.وهذا يتطلب معالجة أعمق لمجموعة من الملفات، بينها إصلاح القطاع المصرفي، حماية الودائع، تحسين المالية العامة، تعزيز الإنتاج، خلق فرص العمل، وتطوير شبكات الحماية الاجتماعية.

وفي تقييمه الأخير، اعتبر صندوق النقد أن الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي ضروري، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية الإصلاحات المالية والمصرفية وخلق مساحة للإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.

المواطن لا يقيس الاقتصاد بالأرقام فقط

في النهاية، المواطن لا يقرأ الاقتصاد من خلال التقارير والمؤشرات وحدها، بل من خلال فاتورة السوبرماركت، بدل النقل، إيجار المنزل، فاتورة الكهرباء، كلفة المدرسة، أسعار الأدوية وقدرته على تأمين احتياجات أسرته حتى نهاية الشهر.

ولهذا يمكن أن تتحدث المؤشرات عن تحسن نسبي، بينما يبقى الإحساس الشعبي مختلفًا.فالمقياس الحقيقي للتحسن الاقتصادي بالنسبة إلى الناس لا يكمن فقط في انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار، وإنما في قدرة الدخل على استعادة جزء من قوته الشرائية، وفي قدرة الأسرة على التخطيط لمستقبلها بدل العيش من شهر إلى شهر.

لبنان يحتاج، بالتالي، إلى اقتصاد لا يكتفي بمنع الانهيار، بل ينتقل تدريجيًا إلى مرحلة النمو المنتج، وفرص العمل، واستعادة الثقة، وتحسين القوة الشرائية.

فالسؤال لم يعد فقط: هل تحسّن الاقتصاد اللبناني؟بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل انعكس هذا التحسن على حياة المواطن وقدرته على العيش بكرامة؟وهنا تحديدًا يبقى الاختبار الحقيقي لأي تعافٍ اقتصادي.