
لم يعد غلاء المعيشة قضية اقتصادية تُناقش في أروقة المصارف المركزية والمؤسسات المالية فحسب، بل أصبح واقعًا يوميًا يلمسه الناس في أسعار الغذاء والطاقة والسكن والنقل والخدمات. وبينما تحاول الحكومات والمصارف المركزية احتواء التضخم، يجد ملايين الأسر حول العالم نفسها أمام سؤال بسيط وصعب في آن واحد:
إلى أين تتجه الأسعار، وماذا ينتظر الاقتصاد العالمي؟
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، بدأت مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، ثم تفاقمت بفعل الحروب والتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ورغم أن معدلات التضخم تراجعت عن المستويات القياسية التي سجلتها بعض الاقتصادات في السنوات الماضية، فإن ذلك لا يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه.
فانخفاض التضخم يعني في الأساس أن سرعة ارتفاع الأسعار تتراجع، وليس أن الأسعار نفسها تنخفض. ولهذا لا يزال المستهلك يشعر بوطأة الغلاء، خصوصًا عندما لا ترتفع الأجور بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها تكاليف الحياة.
يبقى قطاع الطاقة أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار النفط والغاز لا يتوقف تأثيره عند محطات الوقود، بل ينتقل إلى كلفة النقل والصناعة والزراعة والكهرباء، ثم يظهر في نهاية المطاف في أسعار السلع التي يشتريها المستهلك.
والغذاء بدوره يتأثر بعوامل عديدة، من أسعار الطاقة والأسمدة إلى المناخ والحروب واضطرابات التجارة العالمية. لذلك فإن أي صدمة كبيرة في أسواق الطاقة أو الغذاء يمكن أن تعيد إشعال الضغوط التضخمية.
أمام هذه التطورات، تجد المصارف المركزية نفسها أمام معادلة دقيقة.رفع أسعار الفائدة يساعد على كبح التضخم من خلال تقليل الاقتراض والإنفاق، لكنه في المقابل يرفع تكلفة القروض ويضغط على الشركات والاستثمار والعقارات والأسر المثقلة بالديون.
أما خفض الفائدة فيساعد الاقتصاد على استعادة النشاط، لكنه قد يصبح محفوفًا بالمخاطر إذا كان التضخم لا يزال مرتفعًا.ولهذا لا تتحرك المصارف المركزية وفق قاعدة واحدة، بل تراقب التضخم والنمو وسوق العمل وأسعار الطاقة والظروف المالية قبل اتخاذ قراراتها.
لا تشير التوقعات الأساسية للمؤسسات الدولية إلى انهيار اقتصادي عالمي، لكنها تشير إلى نمو متواضع ومخاطر مرتفعة.صندوق النقد الدولي توقع نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% في 2026 و3.4% في 2027، بينما كان البنك الدولي أكثر تحفظًا، إذ توقع نموًا عالميًا بنحو 2.5% في 2026.
وهذه التوقعات تعكس اقتصادًا عالميًا قادرًا على النمو، لكنه يواجه مجموعة من الضغوط، أبرزها التوترات الجيوسياسية، وأسعار الطاقة، والديون المرتفعة، والتغيرات في التجارة العالمية.
ربما يكون المؤشر الأهم بالنسبة للمواطن ليس معدل التضخم وحده، بل ما يستطيع راتبه شراءه.فإذا ارتفعت الأسعار بنسبة كبيرة خلال عدة سنوات بينما بقيت الأجور متأخرة عنها، فإن القوة الشرائية تتراجع حتى لو أصبح معدل التضخم السنوي منخفضًا.
وهنا تظهر مشكلة مختلفة عن التضخم نفسه: قد تنجح الحكومات في خفض معدل ارتفاع الأسعار، لكن الناس قد يحتاجون إلى سنوات حتى يستعيد دخلهم قدرته الشرائية السابقة.
عندما تزداد المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية، يبحث المستثمرون والأفراد عادةً عن أدوات يرون فيها قدرًا أكبر من الحماية، مثل الذهب وبعض العملات والأصول العقارية، فيما تتجه الأموال أيضًا إلى الأسواق المالية أو السندات بحسب مستويات الفائدة والمخاطر.لكن لا يوجد أصل مضمون في جميع الظروف.
فالذهب قد يرتفع في أوقات معينة ويتراجع في أخرى، والعقارات تتأثر بالفائدة والطلب، والأسهم مرتبطة بأرباح الشركات والاقتصاد، والعملات تتأثر بالسياسات النقدية والتجارة والثقة بالاقتصادات.
لذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون أقل ارتباطًا بالبحث عن «استثمار رابح دائم»، وأكثر ارتباطًا بإدارة المخاطر وتنويع المدخرات.
في المقابل، هناك قطاع يفتح بابًا مختلفًا للنمو: الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية يمكن أن ترفع الإنتاجية وتخلق صناعات ووظائف جديدة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول الوظائف التقليدية، وتقييمات شركات التكنولوجيا، وإمكانية حدوث تصحيح في الأسواق إذا تجاوزت التوقعات الاقتصادية الواقع.
وهكذا يقف الاقتصاد العالمي أمام مفارقة: ضغوط تضخمية وديون وتوترات جيوسياسية من جهة، وثورة تكنولوجية قد تعيد تشكيل الإنتاج والعمل والثروة من جهة أخرى.
في لبنان، تصبح هذه التطورات أكثر حساسية، لأن الاقتصاد اللبناني يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا يمكن أن ينعكس سريعًا على تكلفة المعيشة محليًا.كما أن قدرة الأسر على مواجهة الغلاء ترتبط بمستوى الأجور، وسعر الصرف، وأسعار السلع المستوردة، والوضع المالي والمصرفي.
ولهذا فإن ما يحدث في الأسواق العالمية لا يبقى بعيدًا عن المواطن اللبناني؛ فارتفاع النفط أو الغذاء أو تكاليف الشحن يمكن أن يتحول في النهاية إلى فاتورة أعلى في المنزل أو المتجر.
قد يكون التحدي الاقتصادي الأكبر في السنوات المقبلة ليس عودة التضخم العالمي إلى أعلى مستوياته بالضرورة، بل التعايش مع مستوى أسعار أصبح مرتفعًا، في وقت تحاول فيه الأجور اللحاق بتكاليف الحياة.
ويبقى المسار مفتوحًا على أكثر من احتمال. فإذا هدأت التوترات الجيوسياسية واستقرت أسواق الطاقة واستمر تراجع التضخم، يمكن للاقتصاد العالمي أن يدخل مرحلة أكثر استقرارًا.
أما إذا حدثت صدمات جديدة في الطاقة أو التجارة أو الأمن العالمي، فقد تعود موجة ارتفاع الأسعار، وتجد المصارف المركزية نفسها مضطرة إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.وفي نهاية المطاف، فإن الاقتصاد العالمي لا يتحرك في خط مستقيم. وبين التضخم والفائدة والطاقة والديون والتكنولوجيا، يبدو أن السنوات المقبلة ستكون مرحلة إعادة ترتيب للاقتصاد العالمي ولطريقة توزيع الثروة والدخل.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الدخول والأجور من اللحاق بغلاء المعيشة، أم أن العالم يتجه إلى مرحلة طويلة يصبح فيها الحفاظ على القوة الشرائية أكبر تحديات الأسر؟