فسحة الأمل... - الكاتبة إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة  الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف 

يقول الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"  

فما هو الأمل؟ 

هو، قصيدة القلب حين يكتبها الإنسان على جدران الزمن،  ولحن صلاة تعزفه الروح في أعماق النفس لتكسبها القوّة أيام المحن. 

هو، سرٌّ من أسرار الحياة التي أودعته في أعماقها، ليكون لها عوناً في مواجهة صراع البقاء، وأسكنته في قلب الإنسان حتى لا ينكسر أمام ثقل الأيام. 

هو، نافذة  نور توقظ في أعماقنا يقيناً خفيّاً، بأن خلف العتمة امتداداً آخر للحياة، وباب يفتح الطريق نحو إمكانية جديدة .

 لكنه،  لا يعدنا بأن الطريق سيكون سهلاً ومستقيماً، ولا بأن الحياة  ستكون مسرحا ًدائماً للراحة وللفرح. فالأمل لا يلغي صعوبة الطريق، بل يمنحنا القدرة على السير فيه. 

كما ويمنحنا الإيمان بأن المصاعب التي تعترض طريقنا ليست الكلمة الأخيرة في قصة الوجود؛ لأن الوجود نفسه يحمل في أعماقه قوّة التجديد، وما يغيب عن أعيننا لا يعني أنه غائب عن حقيقة الأشياء. 

ومن هنا تبدأ رحلتنا في البحث عن سرِّ الأمل، ونسأل: ما الذي يجعل بذرة صغيرة ألقتها الريح في ظلمة التراب، تشقُّ طريقها الى الضوء وهي لم ترَ الشمس قط؟ وكيف تعرف الجذور طريقها الى الماء وهي لا ترى النبع؟  

وما الذي يحمل أسراب الطيور على أن تعبر البحار والقارات، قاطعة آلاف الأميال والمسافات، نحو وجهات لم تعرفها من قبل؟ 

وما الذي يدفع إنساناً أثقلته النكسات والخسارات الى أن ينهض مرة أخرى ويعيد بناء ما تهدم، وكأن شيئاً في داخله يرفض أن يمنح الهزيمة حقَّ الإنتصار؟ 

وأي قوّة خفيّة تدفع الحياة دائماً أن تختار الإستمرار رغم كلّ ما يحيط بها من أسباب الإنطفاء؟ هل هو الأمل أم أنه مجرّد حب البقاء؟ 

لو كان الأمر مجرد حب للبقاء، لكان الإنسان أشد الكائنات تشبثاً بالحياة، وأقلّها استعداداً للتضحية. 

غير أن التاريخ يخبرنا عكس ذلك. فقد خاطر الإنسان بحياته من أجل فكرة، وضحّى من أجل وطن، وصبر من أجل حبيب، واختار الألم حين رأى فيه طريقاً الى معنى أسمى. ولذلك، يبدو أن الذي حرّكه ليس البقاء وحده، بل شيء أعمق  وأعظم  من البقاء.  

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: 

ما هو هذا الذي قد يكون أعظم  وأعمق من البقاء؟  

هل هو حب الانسان للحياة نفسها؟ 

أم أنه الأمل الذي تمنحه الحياة للإنسان؟  

الحقيقة تقول:  أن حب الحياة لا يعني التعلّق بأيامها السهلة فقط، وإلاّ لانطفأ هذا الحب عند أول محنة. 

إنما هو، الإنجذاب الى ذلك السرّ الذي يجعل الإنسان يشعر بأن الوجود على ما فيه من تعب ، يستحقّ أن يُعاش. ولذلك حتى وإن ضاقت به السبلُ، وأوشك أن يفقد الأمل لن يتوقف عن البحث، لا لأنه يضمن الوصول، بل لأنه يعجز عن التصديق أن الطريق قد انتهى. 

وكأن الحياة نفسها، كلما شعرت أن جذوتها توشك أن تخبو في قلبه، نفخت فيه نسمة جديدة، ليظل قادراً على متابعة المسير. ومع ذلك يبقى السؤال معلّقاً: 

لماذا يخبو الأمل أحياناً في قلب إنسانٍ يحب الحياة؟ 

ربما يكون الجواب : بسبب الألم. لكن، إن الذي يرهق الإنسان ليس الألم وحده، بل غموض الألم. 

لأن أكثر مخاوف الإنسان لا تلِد من الحقائق، بل من الظلال التي يرسمها الجهل حوله. فالمجهول يملك قدرة عجيبة على تضخيم الأشياء، حتى تبدو في المخيلة أكبر مما في الواقع. وما أن يقترب منها العقل، ويكشف حدودها، ويبني معرفة واضحة عنها، حتى يبدأ الخوف بالتراجع، لا لأن واقع  الألم قد تبدّل، بل لأن الإنسان لم يعد يواجه أشباحاً، وإنما يواجه حقيقة، والحقيقة  مهما كانت قاسية، يمكن مواجهتها ومحاورتها، أما الوهم فهو قادر على زعزعة الثقة  بسبب المبالغة. 

وبهذا، فإن المعرفة التي يتوصل اليها العقل ليست ترفاً عقلياً بل هي إحدى صور التحرر. وهي لا تمنح الإنسان حياة بلا مسشقة، لكنها تمنحه عيناً ترى مواضع الخطر كما هي، لا كما يصورها الخوف. 

وكلما انحسر الجهل، انكشفت معه مكامن القوّة التي كانت مخبتبئة في النفس، فعاد الأمل ينمو، لا لأنه تجاهل الواقع، بل لأنه أصبح يراه على حقيقته. 

وهل هذا يعني أن المعرفة تغني عن الأمل؟  

ما يجب الإشارة اليه هنا،هو: أن المعرفة رغم قوتها وتفوقها، لا تستطيع دائماً أن تسير بالإنسان الى نهاية الطريق، ولا يمكن أن تُكسِبه جميع التحديات والمخاطر.  

وهنا تظهرثمة أسئلة تقف عندها جميع الأجوبة:  

لماذا هناك أقدار يعجز العقل عن تفسيرعدالتها؟ 

وأحزان لا يخففها الفهم؟ 

ومخاطر لا يمكن الإنتصار عليها بالمعرفة وإن خفّفت من حدَّتها؟ 

هل لأنها لا تطلب تفسيراً بقدر ما تطلب أماناً وسكينة؟ 

هنا... يبلغ الإنسان حدوده غير أن بلوغ الحدود لا يعني بلوغ النهاية. 

ولعلّ أعظم ما في الإنسان أنه يدرك أن الحقيقة أوسع من إدراكه، وأن الوجود لا ينحصر فيما تقع عليه حواسه، وأن وراء حركة كلّ الأسباب حكمة لا تُقاس دائماً بمقاييس اللحظة. ومن هنا يتغيّر معنى الأمل. 

فلا يعود ثقةً بأن كلّ شيء سيجري كما نشتهي، بل ثقة بأن ما يجري ليس خارج عن المعنى. ولا يعود انتظاراً لانفراج الظروف، بل يقيناً بأن الظروف جميعها بيدٍ خالق عظيم، وأن الأحداث مهما بدا سلطانها عظيما، ليست صاحبة السلطان الأخير. 

وعند هذه النقطة، لا يختفي الألم، لكنه يفقد قدرته على أن يحكم على المستقبل. ولا تزول المحن، لكنها تكف عن أن تكون تعريفاً للحياة. ولعلّ هذا هو الفارق بين من يسيروفي قلبه أمل، ومن يسير وقد فقد الأمل. 

فالإثنان قد يعبران الطريق نفسه، ويتعثران بالحجارة نفسها،وتلفحهما الرياح نفسها؛ لكن أحدهما يرى في كل منعطف احتمال لنهاية الرحلة، بينما يرى الآخر في كلِّ منعطف حتما، بداية جديدة. 

لهذا لم يكن الأمل يوماً إنكاراً للواقع، بل كان أعمق أشكال فهمه. إنه لا يطلب من الإنسان أن يغلق عينيه عن الجراح، بل أن يفتح قلبه على ما هو أبعد من كل الجراح. ولا يقول للإنسان إن الليل قصير، بل يذكِّره بأن الليل مهما طال، لن يستطع في يوم من الأيام أن يمنع الفجر من المجيء. 

ولذلك لم يقل الشاعر:" ما أجمل العيش لولا الأمل" بل قال: " ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل."وكأنه يُدرك أن الإنسان لا يحتاج دائماً الى أن تتبدل الحياة، بل يحتاج الى أن يبقى في روحه متَّسع لفسحة من الأمل.