
تحت المدن والجبال والبحار التي نعرفها، توجد بيئة أخرى لا نراها ولا يصل إليها ضوء الشمس، ومع ذلك فهي ليست خالية من الحياة. فعلى أعماق مئات وآلاف الأمتار داخل القشرة الأرضية، وفي شقوق الصخور ومسامها والمياه الجوفية، تعيش مجتمعات كاملة من الكائنات الدقيقة، دفعت العلماء إلى الحديث عن «المحيط الحيوي العميق» أو Deep Biosphere؛ عالم خفي يمكن أن يمتد إلى أعماق أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.
وليس المقصود بـ«القارة» هنا قارة بالمعنى الجغرافي، وإنما وصف مجازي لحجم واتساع هذا النظام الحيوي الذي يوجد بعيدًا عن سطح الأرض. وتشير الدراسات إلى أن هذا العالم الجوفي يضم بكتيريا وعتائق وفطريات وغيرها من الكائنات المجهرية، وقد اكتُشفت مجتمعات ميكروبية في الصخور القارية وفي القشرة المحيطية وفي الرواسب الموجودة تحت قاع البحر.
الحياة حيث لا يوجد ضوء
من أكثر الأمور إثارة في هذا العالم أن كثيرًا من هذه الكائنات يعيش في أماكن لا تصل إليها أشعة الشمس، وبالتالي لا يستطيع الاعتماد على التمثيل الضوئي بالطريقة التي تعتمد عليها معظم النباتات والطحالب على سطح الأرض.
بدلًا من ذلك، يستطيع عدد من الميكروبات استغلال تفاعلات كيميائية للحصول على الطاقة. فقد تعتمد بعض المجتمعات على الهيدروجين أو الكبريت أو الحديد أو مركبات النيتروجين، بينما تستطيع أنواع أخرى استخدام ثاني أكسيد الكربون في عمليات تساعدها على بناء مادتها العضوية. وقد كشفت دراسات من البيئات الجوفية العميقة عن كائنات تشارك في دورات الكربون والنيتروجين والكبريت والحديد.
وهكذا تصبح الصخور، التي تبدو لنا جمادًا صامتًا، جزءًا من نظام بيئي بالغ الصغر؛ فشق صغير أو مسام دقيقة داخل الصخر قد تحتوي على الماء والغازات والعناصر الكيميائية اللازمة لاستمرار حياة ميكروبية بطيئة.
كائنات تعيش داخل الصخور نفسها
يطلق العلماء على بعض الكائنات التي تعيش داخل الصخور أو بين حبيبات المعادن اسم Endoliths، وهي مجموعة تضم أنواعًا من البكتيريا والعتائق والفطريات وغيرها. وقد عُثر على هذه الكائنات في بيئات شديدة القسوة، بدءًا من الصخور القريبة من السطح وصولًا إلى أعماق كبيرة تحت الأرض.
وتشير الدراسات إلى أن بعض هذه الكائنات يمكن أن تستغل المواد الموجودة في الصخور أو المياه التي تمر عبر الشقوق، بل إن بعضها قادر على استخدام مركبات غير عضوية للحصول على الطاقة.
لذلك فإن الصخر بالنسبة إليها ليس مجرد «مكان للاختباء»، بل قد يكون جزءًا من مصدر الغذاء والطاقة والموطن في الوقت نفسه.
إلى أي عمق يمكن أن تصل الحياة؟ هذا السؤال من أكثر الأسئلة إثارة للعلماء، ولا توجد حتى الآن حدود نهائية متفق عليها للحياة الميكروبية تحت سطح الأرض.
ففي دراسة على صخور عميقة في الصين، حلل الباحثون عينات وصلت إلى عمق 5,158 مترًا، ووجدوا أدلة على وجود ميكروبات حتى نحو 4,850 مترًا، حيث قُدرت درجة الحرارة بنحو 137 درجة مئوية.
ومع ذلك، أشار الباحثون إلى أن الحالة الأيضية لهذه الكائنات في تلك الأعماق الشديدة ما زالت بحاجة إلى مزيد من التحديد. وفي بيئات أخرى، وُجدت مجتمعات ميكروبية في صخور على أعماق تصل إلى نحو 4.4 كيلومتر، ما يؤكد قدرة بعض أشكال الحياة المجهرية على الاستمرار في بيئات شديدة الفقر بالطاقة والمواد العضوية.
أما تحت قاع المحيط، فقد أظهرت دراسات وجود مجتمعات ميكروبية على أعماق تتجاوز كيلومترًا تحت قاع البحر، بل سجلت إحدى الدراسات أدلة على وجود بكتيريا وعتائق وكائنات حقيقية النوى في رواسب وصلت إلى نحو 1,922 مترًا تحت قاع البحر. عالم بطيء جدًا الحياة في أعماق الأرض لا تشبه الحياة التي نراها على سطح الكوكب.
فهناك نقص شديد في الطاقة والمواد العضوية، وارتفاع في الضغط، وقد تكون درجات الحرارة مرتفعة، كما أن المياه المتاحة محدودة في بعض البيئات. لذلك تعيش بعض الكائنات الدقيقة بوتيرة بطيئة للغاية، وقد تستغرق عملياتها الأيضية فترات طويلة مقارنة بالكائنات الموجودة على السطح.
ويعتقد العلماء أن بعض هذه المجتمعات تستطيع البقاء في ظروف شحيحة الطاقة بفضل استغلال مصادر كيميائية دقيقة جدًا، الأمر الذي يجعلها نموذجًا مهمًا لدراسة الحدود القصوى للحياة.
مناجم الأرض… نوافذ إلى العالم الخفي
أصبحت المناجم العميقة مختبرات طبيعية مهمة للعلماء؛ إذ تسمح لهم بالوصول إلى بيئات لا يمكن دراسة معظمها بسهولة من سطح الأرض.
وفي أحد مشاريع الرصد الميكروبي العميق في منجم بالولايات المتحدة، جُمعت عينات من مياه جوفية على أعماق تراوحت بين 250 و1,500 متر، وأظهرت الدراسات الحديثة أن هذه البيئات تحتوي على مجتمعات ميكروبية متنوعة، وأن تركيبها يختلف بصورة كبيرة من موقع إلى آخر.
وهذا يعني أن العلماء لا يتعاملون مع «مجتمع ميكروبي واحد» يعيش تحت الأرض، بل مع مجموعة هائلة من الأنظمة البيئية الصغيرة، لكل منها ظروفها الكيميائية والجيولوجية الخاصة.
لماذا يهمنا هذا العالم؟
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد بحث عن بكتيريا غريبة، لكن أهمية هذه الدراسات تتجاوز ذلك بكثير. فهذه الكائنات تشارك في عمليات جيولوجية وكيميائية مهمة، ويمكن أن تؤثر في حركة عناصر مثل الكربون والكبريت والنيتروجين والمعادن داخل القشرة الأرضية.
كما أن دراسة هذه الحياة تساعد العلماء على التفكير في سؤال أكبر: إذا كانت الحياة قادرة على الاستمرار في الظلام، ونقص الطاقة، والضغط والحرارة الشديدين على الأرض، فهل يمكن أن توجد حياة مشابهة في باطن كواكب أو أقمار أخرى؟
ولهذا أصبحت البيئات العميقة على الأرض نوعًا من النماذج الطبيعية لدراسة الحياة خارج كوكبنا.
فالصخور العميقة والمياه الجوفية القديمة توفر ظروفًا يمكن أن تشبه، في بعض جوانبها، البيئات التي قد توجد تحت سطح المريخ أو في العوالم الجليدية التي يُعتقد بوجود محيطات مائية تحت سطحها.
قارة لا نراها
كلما تعمق العلماء في باطن الأرض، اتضح أن سطح الكوكب ليس المكان الوحيد الذي يستحق أن نسميه «عالم الحياة». فهناك شبكة هائلة من الشقوق والمسام والمياه الجوفية تمتد تحت أقدامنا، وتحتضن كائنات دقيقة تعيش في صمت بعيدًا عن الضوء والهواء والضوضاء.
وربما تكون المفاجأة الأكبر أن العلماء ما زالوا في بداية اكتشاف هذا العالم. فالكثير من الكائنات الموجودة في الأعماق لم تُدرس بصورة كافية، وبعضها لم يُصنّف علميًا بعد، كما أن حدود هذه الحياة وقدرتها على البقاء في أعماق أكبر لا تزال موضوعًا مفتوحًا للبحث.
وهكذا، بينما ننظر إلى الأرض باعتبارها الكوكب الذي نعرفه فوق سطحه، تكشف العلوم الحديثة عن «أرض أخرى» تحت أقدامنا؛ أرض مظلمة، بطيئة، شديدة القسوة، لكنها نابضة بالحياة… وربما تحمل في صخورها أسرارًا عن أصول الحياة نفسها، وعن الأماكن التي يمكن أن تختبئ فيها الحياة في الكون.