
الكاتبة والباحثة لينا صياغة
المساحة التي تصنعها حولك—في بيتك، في كلماتك، في طريقتك في الشعور، وفي أسلوبك في التعبير بين الغرباء والأقرباء—هي أنت. أنت الجسر.
جسرٌ بين العمق والبساطة، بين الروح والواقع، بين اللهو والجدّ.
كن ثابتًا بجسدك، مفتوحًا بقلبك، حاضرًا بوعيك، حرًّا بروحك لكن متجذّرًا.فالمكان الآمن ليس بلدًا تُقيم فيه، بل طريقة عيشٍ تختارها.
وحيثما اجتمعت الرحمة والقسوة، اجعل حياتك ملاذًا للجمال والسكينة، لا خوفًا ولا رهينةً لتوقّعات الآخرين أو أثقال الماضي.
كلّ فعلٍ صادق ينبع من ذاتك الداخلية، من وجودك النقيّ، يعزّز التوازن والانسجام مع المصدر الأوّل للوعي. عندها تصير أكثر انسيابًا ومرونةً واكتمالًا، فتغدو الصِّلة والصلاة في آنٍ واحد.
كانت نورا السمراء في الرابعة عشرة، جميلةً وجذّابة. عيناها السوداوان تلمعان مع كلّ نظرة، وشعرها الأسود الطويل يهبها أنوثةً ووقارًا.
من يراها يلمس نعومةً لا تُتَصنَّع.فتحت عينيها ملتحفةً بوشاح حبٍّ بريء، ممسكةً بيد ابن عمّها الذي حسبته سندًا، وكان خطيبها في الوقت نفسه.
وكان هو في التاسعة عشرة، شابًا وسيمًا طويل القامة، حادّ النظرات، لم يُحسن بعدُ امتلاك نفسه. بادلها المشاعر، وترقّب أيّ فرصةٍ للاختلاء بها.وبعد عامٍ من الخطوبة، زار بيت عمّه، وصادف أن كانت نورا وحدها وأهلها في البستان، فتقاربا بدافع حنينٍ وشوقٍ سكنا قلبيهما.
كان ذلك في الخمسينيات، حين كان الحبّ عارًا يُدان به من يعترف أو يعيش. وكانت العيون تراقب، والآذان تتصيّد، بدافع الحشرية وشغف الجديد.انتبهت الجارة لزيارة عمر، وكانت نورا وحدها، فانتشر الخبر، وصارت سيرتهما مادّةً للقيل والقال.
في اليوم التالي، تعمّدت نسوة الحيّ زيارة البيت. قالت إحداهنّ للأم:«البارحة، وقبلها حين كنتم في البستان، أتى عمر وكانت نورا بمفردها. ألم تخبرك؟»سكتت الأم؛ فابنتها لم تقل شيئًا.
أمّا نورا، فخافت. وتمنّت لو أنّ الأرض تبتلعها.
نادتها أمّها: «هل هذا صحيح؟»تلعثمت نورا، وبكت، وتوسّلت، وقالت إنّه جاء بغتةً، وإنها لا تعرف كيف حدث ما حدث.بكت الأم أيضًا، ولطمت وجهها: «جعلتِنا على كلّ لسان. سأخبر أباك لعلّنا نستر القصة».
ذهب الوالد إلى بيت ابن عمّه، بمحبةٍ وودّ، ليكلّم رجلًا رجلًا. لكنّ الصدمة أطاحت كيانه؛ عالمٌ لا تحتمل الأحلام سواده.خرج لا يكاد يمشي. ضبابٌ في عينيه، أجراسٌ في أذنيه، وينابيعٌ تنفجر من عينيه.بكى مع كلّ خطوة، غير مصدّق: «يا الله… ساعدني… هذا حلم، لا بدّ أنّه حلم».
وكانت الأصوات تطحن رأسه:اذهب واغسل عارك. اقتل ابنتك! ابننا غير مسؤول
يتبع....