قصة "وعد بين الضباب" -ج10- للكاتبة لينا صياغة

الكاتبة والباحثة الاستاذة لينا صياغة

أصبحت نورا تنظر إلى العالم ببرودةٍ موجعة، كأن روحها تعبت من كثرة ما احتمَلته.تتأمل طفلها الصغير، ثم تتأمل ما آلت إليه حياتها، فلا تكاد تستوعب كيف يمكن للظلم أن يكون بهذه القسوة.

لكن ماذا تفعل في مجتمعٍ امتلأ بأشباه البشر، لا يعنيهم وجع الآخرين بقدر ما تعنيهم متعة التفرّج عليه؟كانوا يمرّون على الحكايات المنكسرة كما يمرّ العابر على نافذةٍ مضاءة في ليلة مطر؛ يحدّقون قليلًا… ثم يرحلون بلا رحمة.
كبر كريم في بيئةٍ لم ترحم أمّه قبله.ورغم أنه أُغدق حبًّا في بيت جدّه، وبين خالاته وخاله، ورغم الدلال والاحتواء الذي عاشه، بقي في داخله شيءٌ مرتجف لا يهدأ.كان طيبًا أكثر مما ينبغي، لكنّه لم يعرف كيف يثق بالناس.فالنظرات التي كانت تلاحقه في المدرسة، والأسئلة التي تُرمى بفضولٍ جارح، صنعت في قلبه خوفًا صامتًا، وكأنّه يحمل ذنبًا لم يرتكبه.
كان يبتسم أحيانًا، لكنّ ابتسامته تشبه طفلًا يقف خلف نافذةٍ مغلقة؛ يرى العالم… ولا يشعر أنّه ينتمي إليه تمامًا.مرّت الأيام، وتتابعت السنين الثقيلة ببطءٍ يشبه الصمت الطويل، وكبر كريم أمام عيني نورا، بينما كانت هي تعتاد حياتها التي كرّستها لابنها وأهلها، تعيشها بحذرٍ دائم وخوفٍ مبهم من المستقبل.عشر سنوات متشابهة، كأن الزمن توقف عند لحظة الوجع الأولى ولم يغادرها حقًا.
كبرت أخواتها أيضًا، لكنهنّ لم يعشن أعمارهن كما ينبغي.انشغلن بالدراسة والعمل ومحاولة إثبات الذات، لا لأن أحلامهن كانت مختلفة فقط، بل لأن الخوف تسلل إليهنّ مبكرًا.فما حدث لنورا لم يكن حادثةً تخصّها وحدها، بل وصمةً علّقها المجتمع على أبواب البيت كله.
كان البعض ينظر إليهنّ وكأن لهنّ ذنبًا مشتركًا، فقط لأن أختًا لهنّ خاضت تجربةً انتهت بالخذلان.وكأن شرف العائلة كلّه معلّق بجسد امرأة، لا بأخلاق البشر ولا بصدق نواياهم.وكأن المجتمع لا يرى الانحطاط في الكذب، ولا في النفاق، ولا في أكل قلوب الناس بالكلام الجارح، ولا في استباحة الأعراض وتشويه السمعة وإطفاء فرحة الآخرين.كل ذلك يُغتفر بسهولة…أما المرأة، فتُدان أحيانًا لمجرد أنها وثقت، أو أحبت، أو سقطت ضحية قلبٍ لم يكن نقيًّا كما ظنّت.
وكان أكثر ما يوجع نورا، أنها لم ترَ حولها محاكم تُقام للظالمين، بل للمنكسرين فقط.
ثم جاء الفصل الثالث من حياتها …

يتبع