قصة "وعد بين الضباب" -ج11- للكاتبة لينا صياغة

الكاتبة لينا صياغة

في أعماق نفسه، كان يشعر بشيءٍ من الرضا الخفيّ، إذ ظنّ أنّه نجح في تنفيذ فعلته، وكان يترقّب من بعيد ما أصاب نورا، ويرى انكسارها بعد أن حاولت أن تعيش بكرامة. وقد أسهم أهله في ذلك حين وسوسوا وشوّهوا صورتها أمام أهل زوجها، حتى أصبحت ضحية أحكامٍ ظالمة لم تُمنح فرصة الدفاع عن نفسها أمامها.
ثمّ اتّخذ عمر طريق التديّن والورع مظهرًا له بين الناس، علّه يخفي ما اقترفته يداه ويكسب رضا المجتمع واحترامه. 

لكنّه نسي أنّه قد يخدع البشر جميعًا، أمّا خالقه فلا تخفى عليه خافية، ويعلم السرّ وما هو أخفى.
أمّا حياته مع زوجته، فلم تكن قائمة على المودّة والرحمة كما ينبغي. كان صعب الخُلُق، جافّ المعاملة، لا يُحسن الاحتواء ولا يعرف معنى التقدير. وأنجب منها أولادًا وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن بيتٍ غاب عنه الانسجام، وافتقد دفءَ الحبّ والاحترام، فكبروا في أجواءٍ أثقلها التوتّر والصمت والجفاء.
أمّا نورا، فقد كرّست حياتها لتربية ابنها كريم، وجعلت همّها الأول أن تعوّضه ما استطاعت عن قسوة الظروف التي أحاطت بولادته ونشأته. 

كانت تمنحه من الحبّ والحنان ما يملأ أيامه، لكنّ الطفل كان يلتقط دون وعيٍ منه نظرات الناس وهمساتهم وكلماتهم المتناثرة كلّما مرّ بينهم. كانت تلك النظرات تترك أثرًا خفيًّا في نفسه، فيشعر بغضبٍ لا يعرف مصدره، ونقمةٍ على محيطه لا يستطيع تفسيرها.
ورغم ما أحاطه به جدّه وجدّتاه وخالاته وخاله وأمّه من دلالٍ واهتمام، ظلّ في داخله جرحٌ صغير ينمو بصمت، جرحٌ صنعته أحكام الآخرين أكثر مما صنعته ظروفه. وهكذا كبر كريم بين حبّ أسرته من جهة، وبين ظلال كلام الناس من جهة أخرى، يحمل في قلبه أسئلةً كثيرة لم يجد لها جوابًا.
ومرّت السنوات بطيئةً على نورا، تتشابه أيامها بين العمل والواجبات والقلق على مستقبل ابنها، حتى شاءت الأقدار أن يقصد بعض أقارب العائلة من منطقة الشوف بيتَ الجدّ، طالبين المأوى لبعض الوقت بسبب طبيعة عملهم في تقصيب الحجر وتنقّلهم المستمرّ بحثًا عن الرزق. 

وكان وجودهم حدثًا عابرًا في نظر الجميع، إلا أنّ القدر كان يخبّئ خلفه فصلًا جديدًا لم يكن في الحسبان.
كان من بينهم رجلٌ لفتت نظره نورا منذ الأيام الأولى. 

لم يكن ما جذبه إليها جمالها فحسب، رغم أنّها كانت لا تزال تحتفظ بملامح آسرة زادتها التجارب وقارًا ونضجًا، بل استوقفته تلك القوة الهادئة التي تسكنها، وذلك الحزن النبيل الذي كانت تخفيه خلف ابتسامةٍ مقتضبة.
كان يراها تتحرّك بين أهلها بهدوء، تؤدّي واجباتها دون شكوى، وتواجه الحياة بصبرٍ لا يلفت الانتباه إلا لمن يجيد قراءة الوجوه. وكلّما سمع ما يردّده الناس عنها، وجد تناقضًا كبيرًا بين ما يُقال وما يراه بعينيه. 

فالصورة التي رسمتها الشائعات لم تشبه المرأة التي عرفها، ولم يجد فيها إلا إنسانةً دفعت ثمن أخطاء غيرها، ثم وقفت وحدها تجمع ما تبقّى من حياتها وتحاول أن تبدأ من جديد.
ومع مرور الأيام، تحوّل إعجابه إلى احترام، واحترامه إلى اهتمامٍ صادق. ولم يكن يرى فيها امرأةً مهزومة كما أراد لها البعض أن تكون، بل امرأةً عبرت نار المحنة وخرجت منها أكثر قوةً وعمقًا. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدأ القدر يفتح أمام نورا نافذةً صغيرة من الضوء، بعد أن ظنّت أنّ الأبواب كلّها قد أُغلقت في وجهها إلى الأبد.
يتبع