قصة "وعد بين الضباب" -ج2 للكاتبة لينا صياغة

‏الكاتبة والباحثة الاستاذة لينا صياغة

الجزء الثاني

لم يستطع الدخول إلى بيته مباشرة، فتسلّل إلى الإسطبل بين خيوله، وأطلق العنان لبكائه، وراح يكلّم فرسه كأنها وحدها القادرة على حمل وجعه.تمتم بصوتٍ مكسور:
«هل يمكن… هل يمكن لابن العم أن يغدر؟»
وهمس لها بما عجز عن قوله للبشر.

فحتى الخيول أدرى وأوفى من بعض أقرباء الدم.

أمّا أمّ نورا، السيدة كريمة، فكان قلبها يخفق خوفاً. شعرت بضيقٍ مُسبق حين قال لها إنه سيذهب ليُكلّم ابن عمّه. طال الوقت ولم يدخل من باب المنزل.

فجأةً، وقفت ومشت واتجهت نحو الإسطبل. 

هناك وجدته منهكاً، حزيناً، باكياً. حتى أمّ نورا لم تتجرأ أن تتكلم، فهي المُلامة على فعل ابنتها، لأنها في نظرهم لم تُربِّها جيداً.

هكذا هو المجتمع: تدفع الأمّ والبنت الثمن معًا.ومنذ ذلك الحين، أصبحت نظرات الجيران وأهل البلدة غير مريحة، كأنها سهام تخترقها. 

وبعد وقتٍ طويل، عاد إلى البيت حيث كان الجميع قد ناموا.

إختلس النظر إلى ابنته، التي كانت بالأمس ملاكاً وأصبحت اليوم مذنبة في نظر من لا رحمة لديهم، وهم الأغلب. 

لم يعرف العم حسن كيف بزغ الفجر عليه وهو جالس قرب النافذة يحدّق في السماء.فجأةً، سمع صوتاً ينادي من الخارج:
«أخي حسن، أنا جميل… افتح الباب».

إنتفض من مكانه وأجابه على الفور:
«خير، ما بالك يا جميل؟»قال جميل:
«جئت لك بحلٍّ لمشكلتك!»رفع حسن رأسه ونظر إليه متعجباً:
«بهذه السرعة؟ البارحة فقط علمت… أبهذه السرعة انتشر الخبر؟!»ردّ جميل:
«الكل يعلم، والحل هو تزويجها بعد أسبوع من رجلٍ مُسنّ أعرفه، قد ماتت زوجته، وهو يبحث عن عروس».

كان المصير يُقرَّر أسرع من قدرة القلب على الفهم.وقع الخبر على نورا صاعقاً. ارتجف قلبها، وامتلأت عيناها بالدهشة والدموع والحيرة. 

قرّرت في سرّها الذهاب إلى بيت خطيبها، حبيبها منذ أن عرف قلبها العزف على أوتار الحنين، لتسأله مباشرة:
هل حقًّا ينفي ما حدث؟
لماذا وبّخوا والدها؟
لماذا نعَتوها بالعاهرة؟
هل لا تستحق أن تكون زوجته؟ وهل هناك أخرى أفضل منها؟كان كل سؤال يثقل قلبها أكثر من الآخر.

أمّا والدها، فبصرامةٍ مُزيّفة، حاول أن يضعها في زاوية ضيّقة من المسؤولية، قائلاً:
«عليكِ أن تتحمّلي عاقبة أفعالك، لا تعتقدي أن كلّ شيء سيمرّ دون حساب».

عندها عزمت وأصرّت على مواجهة خطيبها، واتجهت نحو بيتهم. ومع كلّ خطوة، كان قلبها الدامي يثقل أكثر، غير مصدّقة ما سمعت.

 @يتبع