لماذا ينجح أشخاص أقلّ ذكاءً من غيرهم؟-إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

نجح أحدهم، بينما بقي غيره في مكانه. وتقدّم في خطاه،  بينما ظلَّ آخرون يدرسون الطريق الذي سلكه. وما أن ذاع خبر نجاحه، حتى راح كثيرون يقولون في سرِّهم: " لكنه ليس أذكى منا! " هذا السؤال ليس جديداً، وربما دار في ذهن كلّ واحد منا مرة واحدة على الأقل. 

وليس مردّ ذلك الى الحسد كما قد يظنّ البعض، بل الى الصدمة والحيرة. فقد نشأنا على الإعتقاد بأن الذكاء هو الجسر الطبيعي الى النجاح، فإذا بالحياة تفاجئنا بأشخاص لم يكونوا الأكثر ذكاءً، ولا الأوسع ثقافة، ولا الأعمق تحليلاً، ومع ذلك سبقوا غيرهم الى ما كانوا يحلمون به. 

فهل الحياة عادلة حقّاً؟ أم أن النجاح لا يخضع للقوانين التي تصورناها؟ ربما كانت المشكلة منذ البداية أننا خلطنا بين الذكاء والنجاح، وهما ليسا شيئاً واحداً. فالذكاء قدرة على الرؤية، أما النجاح فهو قدرة على الحركة. 

وقد يرى الإنسان الطريق بوضوح كامل، لكنه يبقى واقفاً عند أوله، بينما يقطع آخر نصف الطريق لأنه امتلك شجاعة الخطوة الأولى. 

من يتأمل حياة الناس يكتشف أن كثيراً من الفرص لم تضِع بسبب قِلّة الذكاء، بل بسبب كِثرة التردّد. فالعقل الذكي لا يكتفي برؤية الإحتمال الواحد، بل يرى الإحتمالات كلّها. فيرى ما قد ينجح، وما قد يفشل، وما قد يحدث، وما قد لا يحدث. 

وكلّما اتسعت دائرة الرؤية، ازدادت الحيرة، حتى يصبح القرار نفسه مشكلة تحتاج الى قرار. وهنا تبدأ المفارقة. فالعقل الذي يُفرِط في فلسفة كلّ شيء، يُشبِه خيطاً من الصوف عَلِقَ بكومة من الأشواك، كلّما حاول أن يخرج، ازداد تشابكاً وتعقيداً. 

وهنا لم تعد المشكلة في الأشواك، بل في كِثرة المحاولات التي لم تعرِف كيف تختار اتجاهاً واحداً للخروج. وهكذا قد يفعل الذكاء بصاحبه. يُفكِّر قبل أن يبدأ، ثمَّ يُفكِّر بعد أن يبدأ، ثمَّ يُفَكِّر في نتائج ما لم يفعله بعد، حتى يستهلك طاقته في رسم الطريق بدل أن يسير فيه. 

وفي الجهة الأخرى يَقِف إنسان أقلُّ ذكاء، لكنّه أكثر بساطة في تعامله مع الحياة. لا يبحث عن القرار الكامل، لأنه يعرِف أن الكمال لا وجود له. ولا ينتظر أن تزول كلّ المخاطر، لأنه يُدْرِك أن الحياة نفسها مغامرة. يبدأ بما يَعْرِف، ويتعلَّم مما يجهل، ويعتبر الخطأ جزءاً من رحلةٍ لا نهاية لها.   

ولذلك لا ينبغي أن نسأل: لماذا نجح وهو أقلّ ذكاءً؟ بل ينبغي أن نسأل: لماذا عجز الأكثر ذكاء عن استثمار ذكائه؟ فالذكاء، إذا لم يتحوّل الى فعلٍ، يبقى مجرّد قدرةٍ معطلةٍ، تماماً كما تبقى البذرة بِذرة إذا لم تجد من يضعها في التراب. قيمتها ليست فيما تختزنه من حياة، بل فيما تستطيع أن تمنحه للحياة.   

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الأذكياء أنهم يظنون أن كثرة الفهم تُغني عن التجربة، وأن تحليل الطريق يُغني عن السير فيه. 

لكن الحياة لا تكشف أسرارها لمن يقف على الرصيف يتأملها، بل لمن ينزل الى الطريق، يتعثر ويقوم، ثمّ يُكمِل السير. ولعلَّ أجمل ما في الإنسان العملي أنه لا يخجل من الخطأ، لأنه لا يعتبره إهانة لذكائه، بل درساً يضيفه الى خبرته. 

أما من يجعل ذكاءه جزءاً من كبريائه، فإنه يخاف من الفشل خوفاً من أن تنهار الصورة التي رسمها عن نفسه، فيؤثِر البقاء في ،مكانه على أن يخطو خطوة قد لا تكون كاملة. 

وهكذا يتحوّل الذكاء الذي خُلِق ليحرِّر الإنسان، الى قيد يمنعه من الحركة. ليس لأن الذكاء عيبٌ، بل لأن الإفراط في الثقة به يجعل صاحبه يظنّ أن النجاح يولد من التفكير وحده، بينما الحقيقة أن النجاح يولد من البقاء بين التفكير والعمل. 

ولذلك فإن الحياة لا تمنح ثمارها دائماً لمن يحلِّلها أكثر، بل لمن يتعامل معها أفضل. فهي لا تسأل كم فِكرة تدور في رأس الإنسان، بل ماذا فعل بفكرة واحدة آمن بها. وفي نهاية الأمر، قد يكون الفرق بين شخصين أقلّ مما نتخيّل. 

أحدهما عرف لعبة الحياة على حقيقتها ، فسار ونجح. والآخر اختار طريقاً واحداً، فبقي محشوراً فيه حتى نهايته. 

لهذا، إذا رأيت يوماً شخصاً أقلُّ ذكاءً وقد سبقك الى النجاح، فلا تتعجّل في الحكم على الحياة بأنها ظلمتك، ولا تلوم الذكاء لأنه قيّدك، فقط اسأل نفسك: ما دمت أتمتّع بالذكاء... فهل كانت تنقصني الجرأء ة والبساطة في التعامل مع الحياة لكي أبدأ؟