
قد تبدو ماسحات زجاج السيارات اليوم جزءًا بسيطًا لا يلفت الانتباه، لكن وراء هذه الأداة التي يستخدمها السائقون بصورة شبه يومية قصة اختراع تعود إلى أكثر من 120 عامًا، بطلتها المخترعة الأميركية ماري أندرسون، التي ارتبط اسمها بأول ماسحة زجاج أمامي عملية وفعّالة.
ولدت ماري أندرسون في 19 شباط/فبراير 1866 في مقاطعة غرين بولاية ألاباما الأميركية، وعاشت لاحقًا في برمنغهام، حيث عملت في مجالات متعددة، من بينها إدارة العقارات. ولم تكن مهندسة بالمعنى التقليدي، إلا أن فضولها وقدرتها على ملاحظة المشكلات اليومية قاداها إلى ابتكار أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من صناعة السيارات.
تعود قصة الاختراع إلى رحلة قامت بها أندرسون إلى نيويورك في مطلع القرن العشرين. وبينما كانت تستقل عربة ترام في يوم شتوي، لاحظت أن السائق كان يواجه صعوبة كبيرة في الرؤية بسبب الثلج والجليد المتراكم على الزجاج الأمامي.كان السائق يضطر إلى فتح النافذة أو التوقف والخروج لتنظيف الزجاج يدويًا حتى يتمكن من متابعة الطريق. وبالنسبة إلى أندرسون، لم تكن المشكلة مجرد إزعاج، بل كانت مسألة تتعلق بالرؤية والسلامة أيضًا.
ومن هنا بدأت الفكرة: لماذا لا يستطيع السائق تنظيف الزجاج من داخل المركبة، من دون أن يضطر إلى التوقف أو تعريض نفسه للبرد والمطر والثلج؟عندما عادت إلى ألاباما، بدأت في تطوير فكرتها ورسم تصميم لجهاز يمكن التحكم فيه من داخل المركبة. واستعانت بصنع نموذج عملي للفكرة، قبل أن تتقدم بطلب للحصول على براءة اختراع.
كان تصميم أندرسون بسيطًا لكنه ذكي بالنسبة إلى عصره. فقد تضمن ذراعًا مزودًا بشفرة مطاطية تتحرك على سطح الزجاج، ويتحكم بها السائق بواسطة ذراع موجود داخل المركبة.وعندما يحرك السائق المقبض، تتحرك الماسحة ذهابًا وإيابًا على الزجاج، فتزيل الثلج والمطر والجليد وغيرها من العوائق التي تحجب الرؤية.
كما تضمن التصميم وجود آلية تساعد الشفرة على البقاء ملاصقة للزجاج أثناء الحركة. وكان هذا المبدأ قريبًا بصورة لافتة من الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ماسحات الزجاج الحديثة، رغم أن التكنولوجيا تطورت لاحقًا وأصبحت الماسحات تعمل بواسطة أنظمة ميكانيكية وكهربائية أكثر تطورًا.
في 18 حزيران/يونيو 1903 تقدمت أندرسون بطلب براءة اختراع، وفي 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1903 حصلت على براءة الاختراع الأميركية رقم 743,801، تحت اسم Window Cleaning Device، أي «جهاز لتنظيف النوافذ».
ومن المهم الإشارة إلى أن أندرسون لم تكن أول شخص في التاريخ يفكر في وسائل لتنظيف النوافذ أو الزجاج، لكن مؤسسات تاريخ الاختراع، ومنها National Inventors Hall of Fame، تنسب إليها تطوير أول جهاز عملي وفعّال لتنظيف الزجاج الأمامي يمكن تشغيله من داخل المركبة.
المفارقة أن اختراع أندرسون لم يحقق نجاحًا تجاريًا سريعًا. ففي عام 1903 لم تكن السيارات قد أصبحت وسيلة النقل الجماهيرية التي نعرفها اليوم، ولذلك لم يرَ بعض المصنعين قيمة تجارية كبيرة في الجهاز.
حاولت أندرسون تسويق اختراعها، لكن شركة كندية رفضت الفكرة، معتبرة أن الجهاز لا يمتلك قيمة تجارية كافية تستحق الاستثمار فيه. كما أُثيرت آنذاك مخاوف من أن حركة الماسحة قد تشتت انتباه السائق. وهكذا انتهت مدة براءة اختراعها من دون أن تحقق منها الأرباح التي قد يتوقعها المرء من اختراع أصبح لاحقًا عنصرًا أساسيًا في كل سيارة تقريبًا.
مع انتشار السيارات خلال العقود التالية، تغيرت الصورة تمامًا. أصبحت الحاجة إلى رؤية واضحة أثناء المطر والثلج أمرًا لا يمكن تجاهله، وانتشرت أنظمة المسح الميكانيكية.
وبحلول عام 1922، بدأت شركة كاديلاك تجهيز سياراتها بماسحات زجاج كجزء قياسي من معداتها، وسرعان ما أصبح هذا النوع من الأجهزة عنصرًا مألوفًا في صناعة السيارات. أما ماري أندرسون، فلم تستفد ماليًا من الانتشار الهائل لفكرتها، لكن إرثها العلمي بقي حاضرًا.
وفي عام 2011 أُدخل اسمها بعد وفاتها إلى National Inventors Hall of Fame تكريمًا لإسهامها في تاريخ الاختراع. توفيت ماري أندرسون في 27 حزيران/يونيو 1953، لكن الفكرة التي بدأت من ملاحظة بسيطة داخل عربة ترام في يوم ثلجي بقيت تتحرك أمام أعين ملايين السائقين حول العالم.
قصة ماري أندرسون تذكّرنا بأن الاختراع لا يبدأ دائمًا في مختبر كبير أو نتيجة مشروع علمي ضخم. أحيانًا يبدأ من مشكلة صغيرة يلاحظها شخص ما ولا يكتفي بتقبلها كما هي.
رأت أندرسون سائقًا يكافح من أجل رؤية الطريق وسط الثلج، فسألت نفسها إن كان هناك حل أفضل. ومن ذلك السؤال ولدت فكرة أصبحت بعد سنوات جزءًا أساسيًا من سلامة القيادة.وربما تكمن أهمية قصتها في أن العالم لم يدرك قيمة اختراعها فورًا؛ فقد سبقت حاجته التجارية.
لكن عندما أصبحت السيارات أكثر انتشارًا، ظهرت قيمة الفكرة بوضوح. وهكذا تحولت ماسحة بسيطة صممتها امرأة في بداية القرن العشرين إلى أداة لا يكاد يخلو منها أي طريق أو سيارة في العالم.
ماري أندرسون لم تخترع مجرد قطعة تتحرك على زجاج السيارة؛ لقد ابتكرت وسيلة تساعد السائق على أن يرى الطريق عندما يحاول المطر والثلج والجليد حجبه.