
الكاتبة والباحثة الاستاذة لينا صياغة
هناك أناسٌ لا يسيرون لأنهم اقتنعوا…
بل لأنهم خافوا أن يتوقّفوا وحدهم.
يكرّرون ما قيل لهم، ويؤمنون بما آمن به الجمع، لا لأن الحقيقة لامست أرواحهم، بل لأن مخالفة القطيع تُشعرهم بالعُريّ أمام الناس.
فيتحوّل الخوف مع الزمن إلى عقيدة،
والتبعية إلى فضيلة مزيفة،
حتى يصبح السؤال جريمة،
والتفكّر تمرّدًا،
والوعي لعنةً في أعين الغافلين.
يمشون نحو الهاوية مطمئنين…
فما دام الجميع يسير، فلا أحد يشعر بالخطر.
كغنمٍ اعتادت صوت الراعي والسياج،
حتى وإن كان الطريق ينتهي بالمذبح.
أما الواعي…
فمصيبته ليست في رؤية الحقيقة فقط،
بل في اضطراره للعيش بين من يرفضون رؤيتها.
يرى الضجيج الذي يسمّونه يقينًا،
والتقليد الذي يسمّونه حكمة،
والخضوع الذي يسمّونه طاعة.
فيشعر بالغربة بينهم،كأنّه مستيقظ في مدينةٍ من النيام.
ويرفع قلبه إلى الله قائلاً:
“يا رب…
كيف أعيش بين قومٍ يخافون الحقيقة أكثر من خوفهم من الضلال؟
كيف أحدثهم عن نورك،
وهم ألفوا العتمة حتى صارت وطنًا؟
لقد جعلوا كلام البشر فوق الفطرة التي غرستها في أرواحهم،
واتّبعوا الأسماء والجموع،
ونسوا أن الحق لا يُقاس بالكثرة.
يا الله…
إنني لا أحتقرهم،
بل يؤلمني ما صاروا إليه.
أراهم يهربون من التفكير كما يهرب الطفل من المرآة،
لأنهم يعلمون في أعماقهم أن الأسئلة الصادقة قد تهدم أصنامًا عظّموها طويلًا.
علّمتنا أن الدين رحمةٌ وعدلٌ ونقاء قلب،
فكيف حوّلوه إلى خوفٍ أعمى،وإلى صراعٍ وتكفيرٍ واتباعٍ بلا بصيرة؟
يا رب…
أشعر أحيانًا أنني غريبٌ جدًا بينهم،أصمت كي لا أُتّهم،
وأتراجع كي لا أُرمى،
وأخفي بعض ما في قلبي لأن العيون لا ترحم من يفكّر خارج الأسوار.
فدلّني…
كيف أحافظ على نور الوعي دون أن يتحوّل إلى كِبر؟
وكيف أعيش بين الناس بسلام، دون أن أذوب في غفلتهم؟
وكيف أنجو بروحي، دون أن أكره عبادك؟
علّمني أن أكون رحيمًا لا تابعًا
،صادقًا لا صاخبًا،
ثابتًا دون قسوة،
وأن أفهم أن الهداية ليست بيدي…
بل بيدك وحدك.
يا الله…
إن كان الطريق موحشًا،
فأنت الأُنس،وإن كثُر النيام،
فأنت لا تنام،
وإن ضاع الناس في الضجيج،
فاجعل قلبي لا يسمع إلاّ صوت الحق ….