من أنا، لا أريد وطني… بل وطن،

أكرم حسيب زين الدين،
مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية.

في لبنان، يعود السؤال نفسه كل يوم، لا كفكرة سياسية فقط بل كشيء يشبه القلق اليومي : هل سننجح يومًا في بناء وطن يشعر الناس أنهم ينتمون إليه فعلًا ؟
هنا كل شيء يموت إلا السؤال الحقيقي، مهما تغيّرت الحكومات والأزمات : لماذا ما زلنا نبحث عن “وطن”، رغم أننا نردّد كلمة “وطني” كل يوم ؟ ومتى يستيقظ الوعي اللبناني ليرفع العلم 🇱🇧 على شرفة منزله لا كزينة عابرة، بل كخيار ثابت؟
هذه الأسئلة لا تملك موعدًا. لا تأتي بقرار مفاجئ، ولا تُولد من خطاب حماسي. إنه مسار بطيء اسمه : الوطنية حين تصبح تجربة يومية، لا شعارًا موسميًا.
في لحظة صادقة مع النفس، يتراجع السؤال : ماذا نريد من الدولة ؟ ليظهر سؤال اكثر عمقًا : من نحن داخل هذا الكيان؟
نقول وطني، لكننا في العمق لا نعيش دولة واحدة، بل هويات متجاورة، لكلٍّ منها خوفه، حساباته، وحدوده غير المعلنة. بين “وطني” و“وطن” مسافة طويلة، الأولى عاطفة نحملها ونختلف داخلها، أما الثانية فعقد واضح : دولة تحمي، قانون يُطبَّق، وحقوق تُمنح بلا وسطاء، ولا يحتاج المواطن أن يعرّف نفسه قبل أن تُعرّفه الدولة، ولا أن يختبئ خلف طائفته ليحصل على حقه.
منذ نهاية الحرب، وُضع إطار لإعادة بناء الدولة عبر اتفاق الطائف. على الورق، كان انتقالًا تدريجيًا نحو تقليص الطائفية السياسية وبناء مؤسسات جامعة. في الواقع، جرى تثبيت توازن الطوائف بدل تجاوزه. بقي القرار موزّعًا، والإرادة مجزّأة، والدولة أقرب إلى إدارة توازنات متشابكة منها إلى مؤسسات قادرة على إنتاج قرار وطني موحّد.
يبقى اتفاق الطائف في صلب النقاش، لا كمرجعية مقدّسة لا تُمس، ولا كنص يُلقى جانبًا كلما تعثّر الواقع، بل كإطار يجب اختباره فعليًا. فالمشكلة لم تكن يومًا في وجود الاتفاق بحد ذاته، بل في كيفية التعامل معه، بين من يرفعه إلى مرتبة الثوابت التي لا تُناقش، ومن يتعامل معه كأنه فقد صلاحيته قبل أن يُطبّق. 
الحقيقة أبسط من ذلك وأكثر واقعية : لا يمكن الحكم على اتفاق لم يُنفّذ. تطبيقه الكامل ليس دفاعًا عنه، بل شرط لمعرفة حدوده : هل يملك القدرة على تصحيح الاختلالات، أم يكشف عندها مكامن الخلل التي تستدعي تطويره أو تعديله. وحده التطبيق الصادق يميّز بين ما هو مجحف وما هو منصف، بين ما يصلح للبنان اليوم وما يحتاج إلى إعادة نظر، بعيدًا عن الشعارات المسبقة أو الرفض الموروث.
في مثل هذا النظام، يصبح الخوف جزءًا من البنية. كل مجموعة تخشى على وجودها، فتتمسّك بهويتها الفرعية قبل الوطنية. ومع كل أزمة، يتراجع “الوطن” خطوة، ويتقدّم “الملاذ” خطوة، طائفة، زعيم، أو حتى الخارج. ليس لأن الناس ترفض الدولة، بل لأن الدولة لم تثبت أنها المرجع الأخير عندما تضيق الخيارات.
الانهيار لا يصنع وطنية. حين تتآكل المؤسسات، لا تنمو الهوية الجامعة، بل يتضخّم القلق. ومع القلق، تتصلّب الهويات، ويُعاد إنتاج الانقسام بطرق جديدة. في هذا المناخ، يعود كل فرد إلى أقرب ملاذ يعرفه بحثًا عن أمان لم توفّره الدولة.
هنا تتكشّف الحقيقة الصعبة : المواطن لم يختبر الدولة كما يجب. لم يختبر عدالة ثابتة لا تُبدّلها الموازين، ولا حقوقًا تُصان بشكل مستمر، ولا حماية يشعر معها أن القانون أعلى من الجميع. في غياب هذه التجربة، يصبح الانتماء الوطني مطلبًا أخلاقيًا أكثر منه واقعًا ملموسًا. نُطالب الناس بأن يثِقوا قبل أن نعطيهم سببًا حقيقيًا لهذه الثقة.
لا أريد وطني… بل وطن” ليست صرخة رفض، بل طلب بسيط في حجمه، عميق في أثره. طلب أن تتحوّل الدولة من فكرة إلى تجربة، ومن شعار إلى ممارسة يومية. أن يصبح الولاء نتيجة، لا شرطًا مسبقًا.
الطريق ليس غامضًا، لكنه يتطلب جدية مؤجلة،
أولًا، تنفيذ ما وُعد به في الطائف لبناء مؤسسات تعمل فوق الاصطفافات، لا بينها.
ثانيًا، إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، حقوق تُعطى مباشرة، لا عبر وسطاء.
ثالثًا، إنتاج قرار سياسي موحّد يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الجزئية، لأن الدولة التي لا تقرّر لا تستطيع إقناع مواطنيها بالانتماء إليها.
يوم يشعر اللبناني أن دولته تحميه لأنه مواطن، لا لأنه محسوب على أحد، لن يُسأل متى يرفع العلم.
يوم يشعر اللبناني أن الدولة تعرفه كمواطن لا كرقم داخل طائفة، لن يصبح رفع العلم فعلًا رمزيًا أو موسميًا. سيرفعه بهدوء، كما تُرفع الأشياء التي نثق بأنها تشبهنا وتحمينا.
عندها فقط، لن يبقى العلم مناسبة، بل طمأنينة.