
بقلم : الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين
ليست الخطيئة في حياة الإنسان حادثة عابرة تُروى ثمّ تنسى، بل هي لحظة انكشاف حاد، يتصدّع فيها التوازن الدقيق بين صورة الذات وحقيقتها. عند هذا الحد، ينبثق الشعور بالذنب لا كإدانة أخلاقية فحسب، بل كوعي مؤلم يكشف أن ما ظنه الإنسان عن نفسه لم يكن مطابقاً لما صدر عنه.
ومن هنا يبدأ التوتر بين رغبة في الحفاظ على صورة مستقرة، وحاجة دفينة الى مواجهة ما انكشف ولو كان ثمنها اهتزاز تلك الصورة. غير أن هذا التوتر لا يُحسم بسهولة. فحين يشتد الشعور بالذنب الى درجة تهدّد تماسك الذات ، تنشأ آليات خفيّة تُعيد ترتيب التجربة، حيث يُعاد تأويل الخطأ وتبريره، يُخفَّف من أثره، أو يُلقى به على الآخر.
وهنا لا يكون غياب النقد الذاتي جهلاً بالخطأ، بل تعبيراً عن عجزٍ صاحبه عن تحمُّل نتائجه الوجودية عليه. فالإنسان لا يخشى الحقيقة لذاتها، بل يخشى ما تفرضه عليه من إعادة النظر في ذاته، وربما من إعادة تعريفها. لكن ما يُحمى بهذه الطريقة، يُحْبَس في الوقت ذاته.
فالخطأ الذي لا يخضع للنقد الذاتي لا يزول، بل يتخذ أشكالاً جديدة، ويستمر كقوة خفيّة تُعيد إنتاج نفسها في سياقات مختلفة. وهكذا يتحوَّل الشعور بالذنب من إشارة كاشفة الى عبء صامت، يُثقِل النفس دون أن يفتح أمامها طريقاً للفهم، فيدور الإنسان في حلقة من التكرار، حيث تتبدّل الوقائع ويبقى النمط عل حاله. في المقابل، ينفتح مسار آخر أكثر عمقاً وتعقيداً، يبدأ حين يُستعاد الشعور بالذنب الى وظيفته الأصلية، لا بوصفه حكماً نهائياً، بل بوصفه سؤالاً.
هنا يظهر النقد الذاتي كفعلٍ معرفي قبل أن يكون موقفاً أخلاقياً؛ فعلٌ لا يكتفي بإدانة الخطأ، بل يسعى الى تفكيك شروطه: كيف أمكن أن يحدث؟ ما النقص في بنية الذات الذي سمح به؟ وأي غفلة كانت تُقيم في الوعي حتى لم يُدرِك ما كان يتشكّل داخله؟ غير أن المفارقة الأشد عمقاً تكمن في أن الإنسان قد يهرب من الشعور بالذنب لا لأنه ضعيف، بل لأنه أحيانا عندما يكون في مستوى ما من الوعي، يستطيع أن يدرك خطورة الذنب الحقيقية. فالذنب، حين يؤخذ بجديّة كاملة، لا يكتفي بإدانة فعلٍ عابر، بل بإدانة فعلٍ يهدِّد البنية التي تسمح للإنسان بأن يستمر كما هو.
ومن هنا، قد يكون الإنكار أحياناً شكلاً بدائياً من الحفاظ على التماسك، لا مجرد خداع للنفس. وفي المقابل، فإن النقد الذاتي، الذي يبدو طريقا ًالى التحرّر، يحمل في داخله خطراً معاكساً: إذ قد يقود الى تفكيك لا يُعاد تركيبه، والى وعيٍٍِ يفقد القدرة على الإحتمال، وهكذا، يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة لا يمكن حسمها بسهولة: ما ينقذه قد يهدده، وما يهدده قد يكون شرط نجاته.
في هذا المستوى، لا يعود الاعتراف مجرّد إعلان، بل يتحوّل الى إعادة بناء بطيئة للوعي.فالنقد الذاتي، حين يبلغ عمقه، لا يهدم الذات بقدر ما يُعَرِّي أوهامها، ولا ينفيها بقدر ما يعيد صياغتها على أساس أكثر صدقاً.
غير أن هذا المسار يظل محفوفا بانزلاق دقيق، إذ يكفي أن يتحوَّل إدراك الخطأ الى تعريف للذات، حتى ينقلب الشعور بالذنب الى حالة استنزاف نفسي، ويغدو النقد الذاتي أداة قسوة بدل أن يكون وسيلة فهم.
وهكذا لا يكون الآنتقال من الشعور بالذنب الى الفهم مساراً مستقيماً أو مضمون النتائج، بل حركة معقدة تتجاذبها نزعتان متعارضتان داخل الإنسان: نزعه تدفعه الى إغلاق الجرح سريعاً عبر التبرير أو النسيان حفاظاً على توازنه النفسي، وأخرى تدفعه الى إبقاء هذا الجرح مفتوحاً وعدم التسرُّع في إغلاق التجربة المؤلمة قبل فهمها وفهم أسبابها ودوفعها، لا بدافع الألم، بل لأن في مواجهته شرطاً ضرورياً للفهم والإدراك الأعمق.
وبين هاتين النزعتين، يتشكّل النقد الذاتي بوصفه محاولة دقيقة للموازنة، فلا هو استسلام للإنكار، ولا هو انغماس في الإدانة.
ومن خلال هذا التوتر المستمر، يتكوَّّن الوعي الإنساني لا كحالة مكتملة، بل كعملية دائمة المراجعة وإعادة النظر، حيث تصبح الأخطاء مهما كانت مؤلمة، عنصراً في بناء الفهم لا عائقاً أمامه، حيث يصبح الخطأ مادة للتفكير، لا مجرّد شيء للإدانة، والتجربة الخاطئة تتحوّل الى خطوة في بناء الوعي، لا الى القطيعة معه. في نهاية هذا المسار، لا يُمحى الخطأ، ولا يُلغى الشعور بالذنب، بل يًُعاد تموضعهما داخل أفق أوسع. هناك، لا يكون الإنسان كائناً يُخطئ فحسب، بل كأئناً قادراً بقدر ما يمتلك من نقدٍ ذاتي، على أن يجعل من خطئه موضوعاً للفهم.
وفي تلك المسافة الدقيقة بين الإدانة والمعرفة، تتحدد إمكانية أن يكون الذنب عبئاً يُثقِل الحياة...أو بداية خفيّة لإعادة تشكُّلها.