
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
"راقب أفكارك لأنها ستصبح كلماتك، وراقب كلماتك لأنها ستصبح أفعالك، وراقب أفعالك لأنها ستصبح سلوكك، وراقب سلوكك لأنه سيصبح عاداتك، وراقب عاداتك لأنها ستصبح شخصيتك، وراقب شخصيتك لأنها ستصبح مصيرك."
قد تبدو هذه الكلمات في ظاهرها مجرد نصيحة أخلاقية، لكنها في حقيقتها تحمل رؤية فلسفية كاملة عن الإنسان. إنها لا تتحدث عن لحظة عابرة في حياتنا، بل ترسم خريطة دقيقة للطريق الذي يسلكه الإنسان منذ ولادة الفكرة حتى تشكل المصير. ومع ذلك، فإن هذه الوصية تثير سؤالاً عميقاً: هل المصير نتيجة حتمية لأفكارنا، أم أن هناك قوى أخرى تشارك في صنعه؟ إن كل ما يصنعه الإنسان في العالم قد وُلِد أولاً في ذهنه.
فالمنزل كان فكرة قبل أن يكون حجارة، والقصيدة كانت مشاعرا قبل أن تصبح كلمات وأوزان، والحرب كانت تصوراً قبل ان تتحول الى نار ودمار، والسلام كان حلماً قبل أن يصبح واقعاً وأمان، وكأن الفكر هو الرحم الذي يولد فيه كلّ تصورٍ أو رؤية. غير أن هذا الفكر لا يبقى ساكناً دون حراك، بل إنه يبحث دائماً عن لغة يعلن فيها عن وجوده، فتتحول الأفكار الى كلمات، وليست الكلمات مجرد أصوات تتلاشى في الهواء، بل هي الجسر الذي تعبر عليه الأفكار الى العالم. غير أن الكلمات بدورها لا تبقى كلمات.
فهي تحمل في داخلها بذرة الفعل. فما يردده الإنسان لنفسه كل يوم يتحوّل شيئاً فشيئاً الى قناعة، وما يصبح قناعة يتحول الى قرار، وما يتكرر من قرارات يغدو سلوكاً ثابتاً. وهنا تبدأ الشخصية بالتشكل، لا من خلال المواقف الكبرى، بل من خلال التفاصيل الصغيرة التي يظنها الإنسان عديمة الأثر. إن أخطر ما في الإنسان ليس أفعاله الإستثنائية، بل أفعاله المتكررة.
فالتكرار لا يغيّر ما نفعله فقط، بل يغيّر من نكون. ومع الزمن لا يعود الإنسان يمارس عاداته، بل تصبح عاداته هي التي تمارسه. وهنا يحدث التحوّل الصامت الذي لا يشعر به أحد؛ فكل عادة تضيف حجراً الى البناء الداخلي للشخصية، حتى يجد الإنسان نفسه بعد سنوات يعيش داخل البناء الذي شيّده بيديه، دون أن ينتبه الى أنه كان يبنيه في كلِّ يوم.
لكن هل تبدأ السلسلة فعلاً من الفكر؟ أم أن الفكر نفسه هو نتيجة لما سبق؟ أليست أفكارنا ابنة لأسرة التي نشأنا فيها، واللغة التي تعلمناها، والثقافة التي أحاطت بنا، والخبرات التي مررنا بها؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن مطالبة الإنسان بمراقبة أفكاره تبدو ناقصة؛ لأنه قد لا يكون هو من اختارها في الأصل. وهنا تظهر المفارقة الفلسفية الكبرى.
فالإنسان لا يختار أول فكرة تخطر في ذهنه، لكنه يختار أي فكرة يمنحها حق البقاء . إن العقل يشبه مدينة مفتوحة تدخلها آلاف الأفكار كلّ يوم، لكن المواطن الحقيقي ليس من يمنع الغرباء من الدخول، بل من يقرِّر من منهم يستحق الإقامة. ليست الحرية في منع الفكرة من الظهور، وإنما في عدم السماح لها بأن تتحوّل الى إيمان.
ومن هنا تصبج المراقبة فعلا من أفعال الوعي، لا من أفعال الخوف. فليست الغاية أن يعيش الإنسان في حرب مع أفكاره، بل أن يعيش في حوار دائم معها. أن يسألها: من أين أتيتِ؟ الى أين ستقوديني؟ ماذا سيحدث لو آمنت بك؟ وماذا سيحدث لو رفضتك؟ فالسؤال هنا ليس أداة للشك فقط، بل أداة لحماية الحرية. ومع ذلك، فإن السلسلة التي تبدأ بالفكرة وتنتهي بالمصير ليست قانوناً ميكانيكيا.
فالتاريخ مليء بأناس امتلكوا أفكاراً عظيمة، لكن الظروف حطمت مشاريعهم، كما أنه مليء بآخرين بدأت حياتهم بأفكار مضطربة ثمّ غيرتهم تجربة واحدة، أو كلمة واحدة، أو لقاء واحد، فانعطف مصيرهم في لحظة لم تكن في الحسبان. وهذا يعني أن المصير ليس خطاً مستقيماً، بل حوار دائم بين ما نصنعه نحن وما يصنعه العالم بنا. ولعل أجمل ما في هذه الوصية أنها لا تدعونا الى تغيير العالم مباشرة، بل الى تغيير النقطة الوحيدة التي نستطيع السيطرة عليها: البداية فليس في مقدور الإنسان أن يضمن النتائج، لكنه يستطيع أن يختار البذور. والبذرة مهما بدت صغيرة،
فهي تحمل في داخلها شكل الشجرة كلّها. فمن يزرع الخوف لا يحصد الشجاعة، ومن يزرع الكراهية لا ينتظر السلام، ومن يزرع العطاء لا يعيش فقيراً في المعنى الإنساني، لأن كل بذرة تنمو وفق طبيعتها.
وربما لهذا السبب لم يكن السؤال الحقيقي عبر التاريخ: ماذا يفعل الإنسان؟ بل كان دائما: أي نوع من البشر يصبح الإنسان من خلال ما يفعله؟ فالفعل ينتهي بانتهاء لحظته، أما الشخصية فتبقى، وهي التي تعيد إنتاج الأفعال مرّة بعد أخرى.
لهذا لا ينبغي أن نقرأ هذه الوصية بوصفها دعوة الى الحذر فقط، بل بوصفها دعوة الى اليقظة.
فالإنسان لا يعيش مصيره فجأة، بل يكتبه ببطء، فكرة بعد فكرة، وكلمة بعد كلمة، وعادة بعد عادة، حتى يأتي يوم يظن فيه أن القدر قد فُرِض عليه، بينما يكون قد أمضى سنوات طويلة يشارك في كتابته دون أن يشعر.
وهكذا فإن أعظم معركة في حياة الإنسان ليست مع العالم الخارجي، بل مع تلك الفكرة الصغيرة التي يقرِّر أن يسمح لها بالبقاء في داخله؛ لأنها قد تكون، في نهاية المطاف، البذرة الأولى لمصير كامل.
فراقب ما تزرعه في أرض نفسك، فليست كل بذرة قمحاً، وليست كل خضرة حياة، فحذار من بذور الشوك والزوان، فإن الحصاد لا يجامل أحداً.