
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
لم يكن التاريخ في جوهره، تاريخ الحروب ولا الإمبراطوريات ولا الثورات، بقدر ما كان تاريخ الإنسان وهو يحاول أن يتصالح مع ألمه.
فكل حضارة قامت فوق أنقاض حضارة أخرى، وكل سلطة ورثت سلطة سبقتها، وكل مجتمع أعاد تشكيل ذاته بعد أزمة أو كارثة، كان يحمل في أعماقه سؤالاً واحداً لم يجد له جواباً نهائياً: ماذا يفعل الألم بالإنسان؟ لقد انشغل المؤرخون بتسجيل الوقائع، وانشغل الفلاسفة بتفسير الوجود، وانشغل علماء الاجتماع بتحليل البنى الإجتماعية، لكن سؤالاً معقداً ظلّ يتكرر في صمت: لماذا تتكرر المآسي الإنسانية رغم تغيّر الأزمنة؟ لماذا يسقط الإنسان في الدائرة نفسها من الظلم والعنف والإستغلال، وكأن التاريخ يعيد كتابة نفسه بأسماء مختلفة؟ ولماذا كثيراً ما نجد الضحية في جيل ما، وقد أصبح في الجيل التالي جزءاً من النظام الذي يصنع ضحايا جدداً؟
إن هذه الأسئلة تقودنا الى فرضية فلسفية قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها تفسيراً لمسار الإنسان غبر التاريخ كلّه، وهي أن الإنسان لا يرث الألم، بل يرث الإنسان الذي صنعه الألم.
هذه العبارة ليست إستعارة أدبية، بل محاولة لتأسيس قانون اجتماعي جديد. فالإنسان لا ينقل الى أبنائه جراحه كما ينقل لون عينيه أو ملامح وجهه، وإنما ينقل إليهم شخصيته التي اعادت تلك الجراح تشكيلها. إنه لا يورثهم الحادثة، بل يورثهم آثارها؛ لا يورثهم الماضي، بل الإنسان الذي خرج من ذلك الماضي.
ومن هنا تبدأ وراثة الألم، لا في الدم، وإنما في التربية، وفي اللغة، وفي الخوف، وفي الحب، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. لقد ذهب الفكر الفلسفي طويلاً في تفسير طبيعة الإنسان. فمنهم من رأى أن الشرّ جزء من طبيعته، ومن رأى أن المجتمع هو الذي يُفسِده، ومن رأى أن الاقتصاد يصوغ وعيه، ومن رأى أن طفولته تكتب مستقبله، ومن رأى أن السلطة هي التي تعيد تشكيله باستمرار. وكل واحدة من هذه الرؤى أصابت جانباً من الحقيقة، لكنها بقيت أسيرة تفسير واحد.
أما الإنسان الواقعي، فهو أكثر تعقيداً من أن يُختزل في غريزة، أو في إقتصاد، أو في لا وعي، أو في سلطة. إنه الكائن الذي تتداخل فيه جميع هذه القوى، ويأتي الألم ليجمعها في نقطة واحدة، فيمنحها اتجاهاً جديداً.
فالألم ليس مجرد إحساس نفسي، بل قوّة إجتماعية تعيد بناء الإنسان من الداخل. إنه يُعيد تعريف معنى الثقة، ومعنى الحب، ومعنى الكرامة، ومعنى العدالة. فالإنسان الذي عاش طويلاً في الإهانة لا يرى العالم كما يراه من نشأ في الإحترام، والذي تربى في الخوف لا يفهم الحرية كما يفهمها من عاشها، والذي لم يعرف الأمان لا يستطيع أن يمنحه بسهولة لغيره.
وهكذا يتحوّل الألم من حادثة عابرة الى بنية داخلية، ومن ذكرى الى طريقة في العيش. ومن هنا لا تعود الضحيّة وصفاً لفرد، بل تُصبح حالة اجتماعية. فالمرأة التي حُرِِمَت من طفولتها، أو من حقّها في الإختيار، أو في الشعور بكرامتها، لا تحمل جرحاً شخصيّاً فحسب، بل تحمل رؤية كاملة للعالم تشكّلت تحت ضغط الحرمان. وقد تقضي حياتها كلّها تبحث عن الإعتراف الذي افتقدته، أو عن الأمان الذي لم تعرفه، أو عن القيمة التي سُلِبَت منها.
وقد تبدو بعض خياراتها للناس انحرافاً أخلاقيّاً، بينما هي في حقيقتها محاولات مضطربة لترميم ذات لم تُمنح يوماً فرصة للنمو الطبيعي.
لكن الخطأ الأكبر هو الإعتقاد أن هذه الصورة تخص المرأة وحدها. فالرجل أيضاً قد يكون ضحية، وإن اختفت أدوات صناعة جراحه.
فقد يولد في بيت لا يعرِف الأبوة إلا باعتبارها سلطة، فيتعلّم منذ طفولته أن الخوف طاعة، وأن الإهانة تربية، وأن الرجولة تعني إخفاء الدموع ودفن المشاعر.
ثمّ يُغادر أسرته الى مجتمع لا يرحمه، فيجد نفسه سلعة في سوق العمل، أو رقماً في مؤسسة، أو وسيلة لإنتاج الثروة، بينما تُقاس قيمته بما يُحقّق لا بما هو عليه. وبين قسوة الأب ، واستغلال المجتمع، تتآكل صورته عن ذاته، حتى يفقد القدرة على التمييز بين القوّة والعنف، وبين السلطة والمسؤولية.
فإذا أصبح يوماً أباً أو زوجاً أو مديراً، فإنه كثيراً ما يمارس السلطة بالطريقة الوحيدة التي تعلّمها، لا لأنه وُلد ظالماً، بل لأنه لم يعرف في حياته نموذجاً أخر للسلطة غير القهر.
وهنا تظهر إحدى أخطر حقائق الاجتماع الإنساني، فالسلطة لا تنتقل عبر القوانين وحدها، بل تنتقل عبر الذاكرة النفسية، إن الإنسان لا يمارس السلطة كما يفكر فيها، بل كما اختبرها في حياته.
ولهذا فإن الطفل الذي تربى على الإحترام يميل الى احترام غيره عندما يصبح قويّاً، بينما يميل من تربى على الإذلال الى إعادة إنتاج الإذلال عندما يمتلك القوة، إلا إذا استطاع الوعي أن يكسر هذه السلسلة.
ومن هنا يمكن صياغة أول قانون في هذه النظرية: "إن الألم الذي لا يتحوّل الى وعي، يتحوّل الى سلوك، والسلوك إذا تكرّر يتحوّل الى ثقافة، والثقافة تعيد إنتاج الضحايا جيلاً بعد جيل."
بهذا المعنى، لا يعود العنف فعلاً فردياً، بل يصبح نتيجة ثقافة تشكّلت عبر تراكم طويل من الآلام غير المعالّجة. ولا يعود الإستغلال مجرد فساد أخلاقي، بل يصبح إعادة إنتاج لعلاقة قوّة تشرّبها الإنسان حتى ظنّها جزءاً من طبيعة الحياة. ولا يعود الإدمان مجرّد ضعف إرادة، بل قد يكون محاولة للهروب من واقع لم يمنح صاحبه فرصة للسلام الداخلي.
إن المجتمعات غالباً ما ترتكب خطأ مزدوجاً؛ فهي تتعاطف مع الضحيّة دون أن تمنحها وسائل الشفاء، ثمّ تدين الجلاّد دون أن تسأل كيف صُنِعَ. وفي الحالتين تبقى البنية التي أنتجت الإثنين قائمة دون مساس، ولهذا فإن العقوبات، مهما اشتدّت، لا تستطيع وحدها أن توقف إنتاج العنف، لأن المشكلة ليست في الأفراد وحدهم، بل في المصنع الاجتماعي الذي يُعيد إنتاجهم. ومع ذلك.
فإن هذه الرؤية لا تعني أن الإنسان حتماً سيبقى أسير ماضيه أو سجين طفولته. فلو كان الأمر كذلك، لما خرج من البيئات القاسية مصلحون وعلماء ومفكرون غيّروا وجه التاريخ. إن الألم يزيد الإحتمالات، لكنه لا يكتب المصير.
وهنا يكمن جوهر الحرية الإنسانية؛ فالإنسان لا يختار دائماً ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما حدث له. والفرق بين الضحيّة التي تتحوّل الى جلاّد، والضحية التي تتحوّل الى مصلح، ليس في حجم الجرح، بل في القدرة على تحويل الألم الى وعي. ومن هنا يمكن إعادة تعريف الحضارة نفسها.
فالحضارة ليست عدد الجسور التي تبنيها ، ولا حجم اقتصادها، ولا قوّة جيوشها، بل قدرتها على منع انتقال الألم من جيل الى جيل. فكلّ طفلٍ حُمي من الإذلال، وكلّ امرأة صينت كرامتها، وكلّ رجلٍ وجد في المجتمع اعترافاً بإنسانيته لا بمنفعته، هو انتصار للحضارة، حتى لو لم يُسَجّل في كتب التاريخ.
وعليه، فإن التاريخ الحقيقي للبشرية ليس تاريخ الملوك، ولا تاريخ الحروب، ولا حتى تاريخ الأفكار، بل هو تاريخ انتقال الألم ومحاولات الإنسان المتكررة لقطع هذه السلسلة.
وما لم يُدرِك الإنسان أن أخطر أشكال الظلم عو ذلك الذي يُعيد إنتاج نفسه داخل النفوس، فإن كلّ انتصار سياسي أو اقتصادي سيبقى انتصاراً مؤقتاً، لأن الجرح سيظل يعمل في الخفاء حتى يجد فرصة جديدة للظهور.
ولعلّ القانون الأخير الذي يمكن أن نختم به هذه الرؤية هو: "كلّ مجنمع يعالج الجريمة ولا يعالج الألم، يؤجل الكارثة ولا يمنعها. وكلّ مجتمع ينجح في تحويل الألم الى وعي، يكون قد وضع الأساس الحقيقي لحضارة لا تقوم على الخوف من العقوبة، بل على نضج الإنسان."
إن الإنسان لا ينجو من ماضيه بإنكاره، ولا بالإنتقام منه، بل بفهمه. وعندما يتحوّل الفهم الى وعي، والوعي الى مسؤولية، تنكسر لأول مرّة في التاريخ السلسلة التي جعلت الضحيّة تلد ضحيّة، وجعلت الألم يكتب مستقبل الإنسان قبل أن يكتبه الإنسان بنفسه. ففي تلك اللحظة وحدها، لا يبدأ شفاء الفرد وحسب، بل يبدأ ميلاد مجتمع جديد.