هنري دونان... الرجل الذي قاد إلى تأسيس الصليب الأحمر

لم يكن هنري دونان طبيبًا ولا عسكريًا، ولم يكن يتوقع أن يرتبط اسمه يومًا بتاريخ العمل الإنساني في العالم. وُلد في جنيف عام 1828 لعائلة تهتم بالأعمال الخيرية، ونشأ في بيئة جعلته قريبًا من قضايا الفقراء والمحتاجين. 

لكن حياته ستأخذ منعطفًا حاسمًا في صيف عام 1859، عندما قادته أعماله إلى شمال إيطاليا، حيث وصل إلى بلدة سولفرينو في أعقاب واحدة من أكثر المعارك دموية في أوروبا آنذاك.

هناك، وجد دونان نفسه أمام مشهد لم يكن مستعدًا له: آلاف الجنود جرحى أو يحتضرون، وكثيرون منهم تُركوا من دون رعاية كافية. لم يتمكن من التعامل مع ما رأى كمجرد رجل أعمال عابر، فبدأ بمساعدة الجرحى، واستعان بالسكان المحليين، ونظّم عمليات إسعاف بسيطة، وسعى إلى توفير الماء والطعام والعناية لمن يحتاج إليها، من دون أن يجعل انتماء الجريح إلى أحد طرفي المعركة سببًا لمنع المساعدة عنه.

عاد دونان إلى جنيف، لكن ما شاهده في سولفرينو لم يغادر ذاكرته. وبدل أن تبقى التجربة مجرد ذكرى مؤلمة، قرر أن يحولها إلى فكرة. وفي عام 1862 نشر كتابه الشهير «تذكار سولفرينو»، الذي لم يكتفِ فيه بوصف أهوال المعركة، بل طرح اقتراحًا غير مسبوق في ذلك الوقت: إنشاء جمعيات إغاثة وطنية تضم متطوعين مستعدين لمساعدة الجرحى في أوقات الحرب، ووضع اتفاق دولي يضمن حماية الجرحى ومن يقدمون لهم الرعاية.كانت أفكار دونان بداية مسار جديد. 

وفي 17 شباط/فبراير 1863، اجتمعت في جنيف مجموعة من خمسة أشخاص، كان دونان واحدًا منهم، لتشكيل النواة التي أصبحت لاحقًا اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وفي العام نفسه عُقد مؤتمر جمع ممثلين عن دول وجمعيات مختلفة، ثم جاءت المحطة التاريخية الأهم في عام 1864 مع اعتماد اتفاقية جنيف الأولى التي أرست قواعد لحماية الجرحى في ساحات القتال، واعتماد شارة الصليب الأحمر على خلفية بيضاء.

لكن المفارقة في حياة هنري دونان أن الرجل الذي ساهم في إطلاق واحدة من أهم المبادرات الإنسانية في العصر الحديث لم تكن حياته الشخصية سهلة. فقد واجه أزمات مالية وتجارية، وتراجع حضوره الاجتماعي، وعاش سنوات طويلة بعيدًا عن الأضواء وفي ظروف متواضعة. 

ومع ذلك، بقيت الفكرة التي أطلقها تكبر وتتوسع، وأصبحت الحركة الإنسانية التي ساهم في ولادتها تنتشر في بلدان عديدة.وفي عام 1901، عاد اسم دونان إلى الواجهة العالمية عندما حصل، بالاشتراك مع فريدريك باسي، على أول جائزة نوبل للسلام، تقديرًا لدوره في تأسيس الحركة الإنسانية الدولية. 

وبعد سنوات قليلة، توفي في عام 1910، تاركًا وراءه إرثًا تجاوز حياته الشخصية بكثير.

وتبقى سيرة هنري دونان مختلفة لأنها لا تحكي فقط قصة رجل شاهد مأساة حرب، بل قصة إنسان قرر ألا يكتفي بالتأثر بها. 

فمن مشهد الجرحى في سولفرينو، خرجت فكرة تحولت إلى مؤسسات واتفاقيات دولية غيّرت طريقة التعامل مع ضحايا الحروب. 

وهكذا، لم يكن دونان مؤسس الصليب الأحمر بمفرده، إذ شاركه آخرون في تأسيس اللجنة والحركة، لكنه كان صاحب المبادرة التي دفعت الفكرة إلى الوجود وفتحت الطريق أمام واحدة من أبرز التجارب الإنسانية في التاريخ الحديث.