
اللّهم يا نُور الـنُّور، وسِرَّ الـسِّرِّ الـمستور، ومَطلع الـرَّحمة والـحُبور، يا من إذا أظلمت اللَّيالي أوقدتَ مصابيح الـرُّوح، وإذا غاب الـبَّدْرُ أشرقت بُدور الـقُلوب، وإذا أُطفئت أنوار الـدُّنيا بقي نُورك الذي لا يغيب ولا يزول.
إلٰهي، نحن أبناءُ ليلٍ طالت ساعاته، وأرواحنا تحنُّ إلى فجرٍ تزول فيه غماماته. نعلم أنَّ الـظُّلمة ليست إلا محراب الـشَّوق، وأنَّ غياب الـبَّدْر نداءٌ لمن سمع، وبابٌ لمن قرع، ومفتاحٌ لمن طلب وأطاع.
اللّهم، إنَّ افتقاد الـبَّدْر هبةٌ خفية، ومِنحةٌ جلية، تُعلّمنا أنَّ الـفقد يُنبت الـشَّوق، والـشَّوق يُنضج الـحُب، والـحُب يفتح بوابات الـنُّور.
أشكرك، يا منير الأفلاك، على ليلٍ يُربي فينا الأناة، وغيابٍ يُعلّمنا معنى الـرِّضا، وصمتٍ يُنبت في أعماقنا ألف نداءٍ إليك.
يا من تحبُّ الـخَير وتُجير الـحائرين، اخلع عنا أردية الـظِّلال، وألبسنا أثواب الـنُّور، واحملنا على أجنحة نسائمك حتى نُحلّق في سماء الـمحبّة والـعطاء، فنصبح بُدوراً تُبدد الـدُّجى، وشموساً تُذيب أسراب الـظِّلال.
اللهم أرِنا الـنُّور الذي لا يغيب، وعلّمنا أنَّ الـبَّدْر الذي نفقده في الـسَّماء، نجده في أفق الـرُّوح. واكشف لنا أنَّ من طلبك في غياب الـضِّياء، وجد في صمت اللّيل شموساً لا تأفل وبُدوراً لا تزول.
يا ربّنا، اجعل غياب الـبَّدْر مفتاحاً لـلـقُرب، وطول اللّيل سُلّماً لـلـحُب، وكل دمعة تهوي على الأرض بذرة نُور تُنبت سُهول الـسَّلام في قلوبنا.
اللّهم، اجعلنا بُدوراً صغيرة، نُضيء في ظُلمة الـعالم، ونزرع في الأرض حُبّاً، ونسقي في الـقُلوب رحمةً، حتى يصبح كل قلبٍ سماء، وكل نفسٍ بدراً، وكل حياةٍ فجراً.
إلٰهي، أذقنا لذة الـرِّضا في غياب الـبَّدْر، وحلاوة الـتَّسليم في طول الـلَّيل، وامنحنا شجاعة الـحُب الذي يثبت في الـعتمات، وإيماناً يُضيء طُرقنا إلى رحمتك.
اللّهم اجعل كل ليلةٍ مُظلمة محراباً لـلـخُشوع، وكل غيابٍ لـلـبَّدر درساً لـلـوقوف بين يديك، وكل نظرة شوقٍ باباً يُفتح على سماء نُورك.
يا نُور الـسَّماوات والأرض، اجعلنا نراك في الـظُّلمة قبل الـضِّياء، وفي الـغِياب قبل الـحُضور، وفي الـصَّمت قبل الـكَلِمات،
اللّهم، إن فقدت الـعُيون بَدر الـسَّماء، فلا تدع قلوبنا تفقد بَدر الـرُّوح. وإن أُطفئت أنوار الأرض، فأشرق علينا بنُورك الأبديّ. وإن أغلقت الأسماء أبوابها، فافتح لنا بابك الذي لا يُغلق أبداً.
اللّهم أشرق علينا بنُورك، واغمرنا بسكينتك، واحملنا في مدارج الـحُب حتى نصير أحديّين في حضرتك، نمشي في الأرض أجساماً، ونُحلّق في الـسَّماء أرواحاً، ونحمل في دواخلنا بدراً لا يُفتقد أبداً.
“من غاب عنه بَدْر الـسَّماء، أشرق في قلبه بَدْر الـرُّوح، ومن طلبك في ليل الـغِياب، أضاءت عليه شُموس الـقُرب والـوُدِّ والمحبّةِ.”
آمين، يا نُور الـسَّماوات والأرض، ومَطلع كل خَيرٍ ومحبّةٍ وسلام.