أحمد قعبور… حين يصمت النشيد ويعلو وجع الوطن

وصال مرعي 

استاذة محاضرة و مدربة في القيادة و الإدارة التربوية


 في حضرة الرحيل، لا تُقال الكلمات كما هي، بل ترتجف على أطراف المعنى، كأنها تخشى أن تخون وجعها. وحين يرحل أحمد قعبور، لا يغيب صوتٌ فحسب، بل ينطفئ مصباحٌ كان يضيء دروب الحالمين بوطنٍ أكثر عدلاً، وأكثر شبهاً بكرامة الإنسان. عندما تصمت الألحان في حضرة جراح الوطن، يصبح الصمت لغةً أبلغ من كل نشيد، وتغدو الموسيقى ذكرى تئنّ في أعماق الذاكرة. 

فالأوطان المثقلة بالجراح لا تحتاج إلى زينة الصوت، بل إلى صدقه؛ إلى ذلك النبض الذي كان قعبور يسكبه في كل لحن، فيحيل الأغنية موقفاً، والكلمة سلاحاً، والصوت قضية. 

ترجّلت الكلمات من على منبرها، لا عجزاً، بل حداداً. الكلمات التي كانت تعرف طريقها إلى القلوب، فقدت بوصلتها لحظة غاب من كان يمنحها الحياة. كانت في صوته أكثر من حروف؛ كانت شهقة الأرض، وأنين المخيم، وصبر الأمهات اللواتي يخبئن الدموع في عيون الانتظار. كانت كلماته تمشي بين الناس كأنها واحدٌ منهم، لا تتعالى، ولا تنكسر. و

حين تنادي الكلمات صوتاً بحجم أمة، فإنها لا تبحث عن بديل، بل تستحضر معنى نادراً: صوتٌ لا يُقاس بجماله، بل بصدقه؛ لا بانتشاره، بل بعمقه. لقد كان صوته امتداداً لذاكرة جماعية، يحفظ الحكاية من التلاشي، ويمنح الألم شكلاً يُحتمل، وأملاً يُصدّق. 

إن رحيل منشد القضية ليس ختام الحكاية، بل امتحانٌ لبدايتها من جديد. فالقضية التي سكنت صوته، لم تكن يوماً رهينة حنجرته، بل كانت وعداً معلقاً في ضمير كل من سمعه. 

وهنا، يتحول الغياب إلى مسؤولية، والحزن إلى سؤال: من يحمل الآن تلك الشعلة التي لم تكن لتُطفأ؟ يبقى صوته، وإن غاب، معلقاً في فضاء الروح، كأنّه نشيدٌ لم يكتمل بعد. 

وتبقى الألحان، وإن صمتت، تنبض في الداخل، تذكّرنا أن الوطن ليس ما نرثيه، بل ما ننهض لأجله. في النهاية، لا يرحل الذين غنّوا للحق؛ إنهم يعبرون إلى ذاكرةٍ أوسع، ويتركون لنا المرآة: إمّا أن نرى فيها غيابهم، أو نرى فيها وجوهنا ونحن نواصل ما بدأوه