
حين يُذكر تاريخ الصواريخ وبرامج الفضاء، تتجه الأنظار عادةً نحو الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي، لكن ما لا يعرفه كثيرون أن لبنان نفسه امتلك في ستينيات القرن الماضي تجربة علمية فريدة جعلته من أوائل الدول العربية التي دخلت عالم الصواريخ، في مشروع طموح بدأ داخل جامعة صغيرة في بيروت وتحول إلى قصة علمية ما زالت تثير الدهشة حتى اليوم.
بدأت القصة عام 1960 داخل Haigazian University عندما أسّس أستاذ الرياضيات والفيزياء Manoug Manougian مع مجموعة من طلابه ناديًا علميًا حمل اسم "Haigazian College Rocket Society".
لم يكن الهدف عسكريًا، بل كان حلمًا علميًا بحتًا: صناعة صواريخ محلية ودراسة علوم الفضاء والطيران.كانت البداية متواضعة للغاية؛ إذ عمل الطلاب بميزانيات محدودة وبمعدات بسيطة، واضطروا إلى إجراء التجارب بشكل شبه بدائي.

وبعد محاولات عديدة، نجح الفريق في إطلاق أول صاروخ تجريبي عام 1961،
ليصل إلى ارتفاع يقارب كيلومترًا واحدًا، ثم تمكنوا لاحقًا من تطوير نماذج أكثر تقدمًا.أشهر هذه الصواريخ كانت سلسلة "صواريخ الأرز" (Cedar Rockets)، التي حملت اسم رمز لبنان الوطني.
وفي عام 1962 استطاع صاروخ Cedar أن يصل إلى ارتفاع يناهز 11.5 كيلومتر، ثم وصلت نماذج لاحقة إلى ارتفاعات أكبر بكثير، ما جعل المشروع يلفت انتباه الدولة والجيش والرأي العام اللبناني.
حتى إن الرئيس اللبناني آنذاك، Fouad Chehab، قدّم دعمًا ماليًا للمشروع بعد نجاحاته المتتالية.مع توسع المشروع، تغيّر اسمه إلى "Lebanese Rocket Society"، وأصبح الحديث يدور حول إمكانية إنشاء برنامج فضائي لبناني حقيقي. بعض المصادر تشير إلى أن أحد النماذج المتقدمة من سلسلة الأرز اقترب من ارتفاعات عالية جدًا مقارنة بإمكانات المنطقة في ذلك الوقت، ما جعل التجربة اللبنانية حدثًا استثنائيًا في الشرق الأوسط.لكن الحلم لم يستمر طويلًا.
ففي منتصف الستينيات، وقعت حوادث تقنية أثناء بعض التجارب، كما بدأت المخاوف السياسية والإقليمية تتزايد حول إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا لأغراض عسكرية.

ومع تصاعد الضغوط السياسية والدولية، بدأ المشروع يفقد زخمه تدريجيًا حتى توقفت الإطلاقات نهائيًا بحلول النصف الثاني من الستينيات.ورغم انتهاء المشروع، بقيت قصة الصواريخ اللبنانية مثالًا نادرًا على قدرة مجموعة صغيرة من الطلاب والباحثين على تحويل حلم علمي كبير إلى واقع.
فقبل عقود طويلة من انتشار شركات الفضاء الخاصة وبرامج الابتكار الحديثة، كان هناك في بيروت شباب يصنعون الصواريخ ويؤمنون أن دولة صغيرة تستطيع أن تصل إلى الفضاء.
وربما لهذا السبب لا يزال كثيرون يعتبرون "صواريخ الأرز" واحدة من أكثر الصفحات العلمية إثارةً في التاريخ اللبناني الحديث.