أول قطار في لبنان: عندما ربطت السكك الحديدية بيروت بالعالم


شهد لبنان ولادة أول خط للسكك الحديدية في أواخر القرن التاسع عشر، في مرحلة كانت تشهد فيها المنطقة تحولات اقتصادية وتجارية كبرى في ظل الدولة العثمانية. ففي عام 1891 مُنح امتياز إنشاء خط حديدي يربط بيروت بدمشق وصولاً إلى حوران، وفي الأول من آب سنة 1895 انطلق أول قطار من مرفأ بيروت باتجاه محطة رياق في سهل البقاع، وسط احتفالات رسمية حضرها مسؤولون وشخصيات من المنطقة وأوروبا. 

كان هذا المشروع أكثر من مجرد وسيلة نقل، إذ مثّل نقلة نوعية جعلت من بيروت مركزاً تجارياً حيوياً بين البحر المتوسط والداخل السوري والعربي. وسرعان ما توسعت شبكة السكك الحديدية لتصل إلى دمشق ثم حلب، ولاحقاً إلى طرابلس، قبل أن ترتبط بتركيا وأوروبا مطلع القرن العشرين، مما منح لبنان دوراً محورياً كبوابة بين الشرق والغرب. 

وكانت محطة رياق تُعد من أهم المحطات في الشرق الأوسط، إذ لم تكن مجرد محطة عبور، بل مركزاً لصيانة القطارات وتصنيع بعض أجزائها، الأمر الذي جعلها مركزاً اقتصادياً وصناعياً بارزاً في ذلك الزمن. 

كما ساهم القطار في تسهيل انتقال المسافرين والبضائع، وتنشيط التجارة والزراعة، وتقوية الروابط بين المدن اللبنانية والدول المجاورة. ومع مرور العقود، استمرت شبكة السكك الحديدية في أداء دورها الحيوي، إلى أن بدأت تتراجع تدريجياً بسبب المنافسة مع النقل البري وتداعيات الحروب والأزمات. 

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية تعرضت معظم الخطوط والمنشآت لأضرار جسيمة، وتوقفت حركة القطارات بشكل شبه كامل، قبل أن تتوقف نهائياً عام 1989. وقد جرت محاولة لإحياء جزء من الخط عبر ما عُرف بـ«قطار السلام» بين الدورة وجونية في أوائل التسعينيات، إلا أن التجربة لم تستمر طويلاً. 

واليوم، لم يبقَ من هذا الإرث سوى المحطات القديمة والقاطرات الصامتة التي تحولت إلى شواهد على حقبة ازدهار عاشها لبنان، حين كانت صفارات القطارات تعلن وصول المسافرين والبضائع من أوروبا والعالم العربي، وحين كان القطار رمزاً للتقدم والانفتاح والتواصل بين الشعوب.

لم تقتصر أهمية القطار على النقل فحسب، بل أسهم في: تحويل بيروت إلى مركز تجاري إقليمي. ربط لبنان بسوريا والعراق وتركيا وأوروبا. تسهيل حركة المسافرين والبضائع. تنشيط الاقتصاد والزراعة والصناعة. تعزيز التواصل الثقافي والاجتماعي بين المدن والبلدان المجاورة.

وهكذا، شكّل أول قطار في لبنان عام 1895 بداية عصر جديد من الحداثة والانفتاح، وبقي حتى اليوم رمزاً لمرحلة ذهبية يتطلع كثيرون إلى استعادة جزء منها عبر إعادة إحياء شبكة السكك الحديدية اللبنانية.