
الكاتبة والباحثة الاستاذة
إيمان أبو شاهين يوسف
ليس من السهل أن نجيب على هذا السؤال:
هل الجمال في العالم أم فينا؟
رغم صعوبة السؤال فإننا نعرف على نحو غامض، أن الجمال يظهر دائماً، في تلك اللحظة التي نشعر فيها، أن شيئاً في الخارج قد لامس شيئاً بنا في الداخل.
يقول الفيلسوف ديفيد هيوم: " ليس الجمال خاصية في الأشياء، بل هو شعور في النفس".
وهذا يعني أن الجمال يبدأ من الداخل قبل أن يكتمل في الخارج.
غير أن الفيلسوف إيمانويل كانط يمنح الجمال بعداً آخر:
"فهو يراه حكماً يتجاوز المنفعة، وتجربةً خالصة لا يُطلَب منها شيئاً سوى أن تُعاش."
وبين هذين التصورين، يظل السؤال مفتوحاً:
هل الوردة جميلة في ذاتها، أم أننا نحن من نمنحها هذا المعنى؟
في لحظة صباحية هادئة، حين تنحدر خيوط الضوء على سفوح الجبال، لا يتغيّر شيء في النظام الطبيعي للحياة، كلّ شيء يحدث كما اعتاد أن يحدث منذ الأزل، ومع ذلك يشعر الإنسان بشيء خفيّ يتفتّح في داخله، كأن الضوء لا يلامس الأرض وحدها، بل يوقظ فيه إحساساً قديماً، مألوفاً وغامضاً في آن واحد.
عندها لا تعود الطبيعة مجرد مشهد، بل تصير مرآة شفافة يرى فيها الإنسان ما استطاع أن يوقظه في نفسه. هذا ما أدركه الفيلسوف أفلاطون ، حين رأى في الجمال الأرضي ظلاً لجمالٍ أعلى ، معتبراً أن انجذابنا الى الجميل ليس إلاّ تذكيراً خفيّاً لما نعرفه في أعماقنا.
فنحن حين نقف أمام بحرٍ ساكن أو شجرة شامخة، لا نكتفي بالنظر اليهما، بل نشعر أننا نستعيد شيئاً فقدناه دون أن ندري متى.
غير أن هذه القدرة على التذوق ليست ثابتة، فهي تتبدّل بتبدُّل الداخل.
فالإنسان القلق يرى العالم مضطرباً، والمثقل لا يلتقط إشارات الجمال من حوله. وهنا، يقدِّم الفيلسوف فريدريك نيتشه رؤية أكثر حدة، إذ يعتبر أن ما نراه ليس الحقيقة ذاتها، بل تأويلنا لها.
وبهذا المعنى، لا يكون الجمال معطىً جاهزاً، بل تجربة تتكون في لحظة اللقاء بين ما فينا وما أمامنا.
ومع ذلك، يبقى في الجمال شيء يتجاوز ذواتنا الفردية، شيء يجعلنا نتفق، رغم اختلاف أذواقنا، على سحر الغروب، وسكينة السماء المرصّعة بالنجوم.
كأن في الطبيعة نداءً خفيّاً، وفي الإنسان استعداداً فطرياً للإستجابة. عند هذه النقطة، يتضح أن الجمال ليس في الأشياء وحدها، ولا في النفس وحدها، بل في العلاقة التي تنشأ بينهما. علاقة دقيقة، لا تُرى، لكنها تُحسّ.