
لطالما اعتقد الإنسان أن الأشجار كائنات صامتة، تقف في مكانها ولا تفعل أكثر من النمو وامتصاص الماء والضوء. لكن العلم الحديث بدأ يرسم صورة مختلفة تمامًا للغابة؛ فالأشجار والنباتات تستطيع استشعار التغيرات من حولها، وإطلاق إشارات كيميائية، والتأثير في استجابات نباتات أخرى، كما يمكن أن ترتبط جذورها بالفطريات الموجودة في التربة ضمن شبكات معقدة. غير أن وصف هذه الظاهرة بأنها «لغة» أو «إنترنت للغابة» يبقى تشبيهًا مبسطًا، لأن طبيعة هذه الشبكات ووظائفها ما زالت موضوع بحث ونقاش علمي.
أحد أكثر أشكال التواصل إثارة للاهتمام يحدث فوق سطح الأرض من خلال مواد كيميائية متطايرة تطلقها النباتات في الهواء. فعندما تتعرض شجرة أو نبتة لهجوم الحشرات، أو تتعرض أوراقها للضرر، يمكن أن يتغير مزيج المواد المتطايرة التي تطلقها. وقد تستقبل نباتات مجاورة بعض هذه الإشارات، فتبدأ بتفعيل أو تعزيز آليات دفاعها قبل أن تتعرض هي نفسها للهجوم. وهذا لا يعني أن الشجرة «تتحدث» بالكلمات كما يفعل الإنسان، بل إن الإشارة هنا كيميائية وبيولوجية. إنها أشبه برسالة تحمل معلومات عن حالة النبات والتهديد الذي يواجهه، ثم يستجيب النبات المستقبل وفقًا لما يستشعره.وقد أظهرت الدراسات أن بعض المركبات المتطايرة الناتجة عن تعرض النباتات للحشرات يمكن أن تجعل النباتات المجاورة أكثر استعدادًا للدفاع عن نفسها. لكن هذه الاستجابة ليست واحدة دائمًا؛ فهي تختلف بحسب نوع النبات، ونوع الحشرة، والظروف البيئية، والمسافة بين النباتات.
أما الجزء الأكثر شهرة من قصة «تواصل الأشجار» فيوجد تحت سطح التربة.تتعاون جذور كثير من النباتات مع فطريات مجهرية تُعرف باسم الفطريات الجذرية التكافلية (Mycorrhizae). تنمو خيوط الفطر في التربة وتمتد لمسافات تتجاوز نطاق الجذر نفسه، ويمكن أن ترتبط بجذور نباتات أخرى، فتشكّل شبكة من العلاقات بين النباتات والفطريات.وقد أظهرت أبحاث مبكرة أن نباتات مرتبطة بشبكة فطرية مشتركة يمكن أن يحدث بينها انتقال لبعض العناصر، بما في ذلك الكربون والنيتروجين والفوسفور في ظروف وتجارب معينة. ومن هنا ظهرت فكرة «الشبكة العنكبوتية للغابة» أو Wood Wide Web لوصف هذه الروابط. لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: الصورة الشعبية التي تقول إن الأشجار الكبيرة «ترسل الغذاء والرسائل عمدًا إلى صغارها عبر شبكة تحت الأرض» أصبحت أكثر انتشارًا من الأدلة العلمية التي تثبتها بصورة عامة.فمراجعة نقدية منشورة في Nature Ecology & Evolution أشارت إلى أن الأدلة على انتشار هذه الشبكات في الغابات، وعلى أن انتقال الموارد عبرها يؤدي بصورة عامة إلى تحسين نمو الشتلات، لا تزال غير كافية للتعميم، كما أن الادعاء بأن الأشجار الكبيرة ترسل بصورة تفضيلية الموارد وإشارات الدفاع إلى نسلها لم يكن مدعومًا بأدلة منشورة كافية حتى وقت الدراسة. وهذا لا يعني أن الشبكات الفطرية غير موجودة، بل يعني أن وظائفها الدقيقة وحجم تأثيرها في الطبيعة أكثر تعقيدًا مما توحي به القصص الشائعة.
من أكثر الجوانب إثارة في هذه الأبحاث أن النبات ليس مجرد كائن ينتظر أن يحدث له شيء، بل يستطيع تغيير نشاطه الكيميائي استجابة للبيئة.فعند تعرضه لهجوم حشرة، يمكن أن يطلق مجموعة من المركبات المتطايرة التي تحمل معلومات عن حالته. وقد تستجيب النباتات القريبة لهذه المواد بإحداث تغييرات في جيناتها أو في المواد الكيميائية الدفاعية التي تنتجها، بحيث تصبح أكثر استعدادًا لمواجهة الخطر. بل إن بعض هذه الروائح لا تعمل فقط على النباتات؛ فقد تجذب أيضًا الحشرات المفيدة التي تهاجم الحشرات الضارة، وكأن النبات يستدعي بصورة غير مباشرة حلفاءه في مواجهة الخطر. وهكذا تبدو الغابة وكأنها نظام بيئي شديد التعقيد، لا يعيش فيه كل نبات بمعزل عن الآخر، وإنما تتداخل فيه الإشارات الكيميائية والجذور والفطريات والحشرات والكائنات الدقيقة في شبكة من العلاقات المتبادلة.
التعبير جذاب، لكنه يحتاج إلى بعض الدقة.العلماء لا يقولون إن الأشجار تتحدث بلغة تشبه اللغة البشرية، ولا توجد أدلة على أنها تتبادل جملًا أو أفكارًا واعية. الأدق علميًا هو القول إن النباتات تتبادل إشارات أو تستجيب لإشارات كيميائية وبيئية، وأن هذه الإشارات يمكن أن تؤثر في سلوكها الفسيولوجي والدفاعي.كما أن مصطلح «التواصل» نفسه قد يكون مضللًا إذا فهمناه بمعناه البشري؛ ففي علم البيئة توجد إشارات قد يستفيد منها النبات المستقبل، وقد تكون مجرد نتيجة طبيعية لحالة النبات المرسل، وليس بالضرورة رسالة مقصودة بالمعنى الذي نقصده نحن. ولذلك يحرص الباحثون على التمييز بين الإشارة الكيميائية، والإدراك، والاستجابة، والتواصل بالمعنى العلمي الدقيق.
ربما يكون الاكتشاف الأهم هو أن الغابة يجب ألا تُفهم باعتبارها مجرد مجموعة من الأشجار المتجاورة.إنها منظومة حية تتفاعل فيها الأشجار مع جذورها والفطريات والتربة والماء والهواء والحشرات والكائنات الدقيقة. وقد تؤثر إصابة نبات واحد في البيئة المحيطة به، وقد تستجيب نباتات أخرى للتغيرات الكيميائية أو البيئية التي تحدث بالقرب منها.
لكن العلم لا يزال أمامه الكثير من الأسئلة: ما مدى انتشار الشبكات الفطرية في الغابات الطبيعية؟ ما كمية المواد التي تنتقل عبرها؟ ومتى يكون انتقال الموارد مفيدًا للطرفين؟ وهل تحمل هذه الشبكات إشارات دفاعية فعلًا في الظروف الطبيعية وبأي درجة؟هذه الأسئلة تجعل الموضوع أكثر إثارة، لأن الأسطورة الشعبية عن «إنترنت الأشجار» ليست الحقيقة كاملة، كما أن رفضها بالكامل ليس دقيقًا أيضًا. الحقيقة العلمية أكثر تعقيدًا، وربما أكثر جمالًا.
وفي النهاية، كلما تعمق العلماء في دراسة الغابات، اكتشفوا أن الصمت الذي نراه ليس بالضرورة غيابًا للتواصل. فهناك عالم كامل من الإشارات الكيميائية والعلاقات الجذرية والفطرية يجري تحت أعيننا، غالبًا من دون أن نشعر به.
وربما لهذا تبدو الغابة، للوهلة الأولى، هادئة وساكنة... بينما هي في الحقيقة من أكثر البيئات الطبيعية نشاطًا وتفاعلًا وتعقيدًا على كوكب الأرض.