
في لحظات الحروب التي تقودها الأكثريات، لا تقاس هشاشة الأقليات بعددها أو بعدالة أو عدم عدالة قضيتها، بل بقدرتها على قراءة اللحظة التاريخية والتموضع داخلها دون أن تتحول الى هدف مباشر لمنطق الإلغاء.
فالحرب حيت تنفلت من ضوابط الدولة والقانون، لا تسأل عن حقوق الأقليات، بل تعيد تعريف الوضع نفسه بلغة الغالب والمغلوب، وهنا يصبح سؤال الأقليات سؤال بقاء لا سؤال انتصار.
والتاريخ يكشف أن أخطر ما يواجه الأقليات في حروب الأكثريات هو الإنجرار إلى الإستقطاب القسري.
بحيث يُقدَّم الإنحياز على أنه موقفاً أخلاقياً، يتحول لاحقا الى مطالبة الأقلية بأن تدفع ثمناً باهظاً عن صراع لم تنشئه.
فالتجربة الأوروبية في القرن العشرين خير مثال على هذا المأزق، فاليهود في ألمانيا كانوا مندمجين بعمق في المجتمع والإقتصاد والثقافة، لكن إنهيار دولة القانون وصعود أيديولوجيا الأكثرية القومية حوَّل الإندماج غير المحمي مؤسساتياً الى نقطة ضعف قاتلة.والذنب لم يكن في الإندماج ذاته ، بل في غياب الضمانات التي تحميه حين تنقلب الأكثرية الى مشروع إقصائي شامل.
في المقابل فإن التجربة العثمانية مع الأقليات الدينية، تُظْهِر أن الإعتراف القانوني حتى وإن كان ناقصاً أو غير متكافئ، يبقى أكثر أماناً من الذوبان الكامل أو المواجهة المفتوحة.
فنظام الملل الذي طبقته السلطنة العثمانية رغم ما فيه من إختلالات، وفّرَ للأقليات إطاراً قانونياً يحمي وجودها بوصفه إعترافاً بها ، لا بوصفه تسامحاً ظرفياً. أما في المشرق، فتبرز تجربة الدروز مثالاً على سياسة البقاء عبر التموضع الحذر.
فعبر قرون من التحولات في النظم والسياسة، تجنب الدروز الإنخراط العقائدي في صراعات الأكثريات، واختاروا تحالفات دفاعية مؤقتة دون الارتهان الكامل لأي قوة داخلية أو خارجية.
وفي لحظات قوة السلطة المركزية، حافظوا على ولاء عام للدولة، وفي لحظات التفكك والفوضى لجأوا الى الجغرافيا والروابط الاجتماعية الداخلية. مع العلم ان هذه السياسة لم تمنحهم تفوقاً سياسياً، لكنها وفَّرت لهم استمرارية تاريخية نادرة في بيئة مضطربة. ومن خبرة شخصية مباشرة، أتذكر في الفترة التي كنت أدرس فيها القانون أثناء الحرب الأهلية اللبنانية أن زملائي في الجامعة كانوا يرددون: " إذا انتصر الدروز في الجبل نضمن نجاح الحركة الوطنية في مواجهة الإنعزاليين، لأن الدروز هم بروليتاريا الحروب في المنطقة".
هذا الكلام كان يعكس فهماً عملياً للدور الإستراتيجي للأقليات في الصراعات، خصوصاً الدروز في الجبل، وكيف أن موقفهم أو تحركهم يمكن أن يغيِّر موازين القوى. وحتى اليوم، أعود الى هذا الموقف لتحليله وفهم أسبابه وتداعياته، وكيفية التصرف مع واقع أقلية تموضعها استراتيجي في بيئة مضطربة. وإذا نظرنا الى الإبادة الأرمنية التي تكشف الوجه الأكثر قسوة لفكرة الحماية الخارجية. يتبين أن رهان الأقليات على التدخل الدولي ، حين لا يكون مدعوماً بقدرة داخلية على الصمود، يتحوَّل الى وهم قاتل.
فالمصالح تتغيَّر، والوعود تسقط، وتترك الأقلية في مواجهة أكثرية ترى وجودها تهديداً يجب إزالته.
وفي زمننا المعاصر، تُقدِّم مأساة الروهينغا ( القبيلة المسلمة في ميانمار) مثالاً على خطورة العزلة المطلقة والإنكفاء. فغياب الإعتراف القانوني والتمثيل السياسي جعل هذه الأقلية خارج أي مظلة وطنية، وحين أعادت الأكثرية تعريف الهوية القومية، لم تجد الروهينغا سنداً داخلياً ولا إطاراً قانونياً يحمي وجودها.
على نقيض من ذلك ، تُظهِر بعض التجارب الكردية في العراق مثلاٍ، أن الجمع بين الواقعية السياسية وبناء المؤسسات، لا المواجهة المفتوحة وحدها، يمكن أن يخلق حداً أدنى من الحماية والإستقرار.
وهكذا، فإن ما تقوله هذه التجارب مجتمعة هو أن الأقليات الأكثر بقاءً ليست تلك التي ترفع صوتها أعلى، ولا تلك التي تذوب كليّاً، ولا تلك التي تراهن على قوة خارجية، بل تلك التي تُحْسِن إدارة وجودها داخل التاريخ.
فالحياد الواعي، والأندماج القانوني دون التفريط بالهوية، وبناء شبكة علاقات تجعل استهداف الأقلية مكلفاً سياسياً وأخلاقياً، هي عناصر بقاء حقيقية لا شعارات. في النهاية، لا تعيش الأقليات خارج منطق الصراع، لكنها إن لم تُحسِن التموضع داخله، قد تتحول الى ضحيته الدائمة.
فالبقاء في زمن حروب الأكثريات، ليس ضعفاً ولا تنازلاً، بل حكمة وجودية تُدرك أن النجاة أحياناً هو الشكل الأعمق للإنتصار.
المراجع:
- حنّة آرنت: أصول الشمولية
- راؤول هيلبرغ: تدمير يهود أوروبا
- كمال صليبي: بيت ذو غرف متعددة
- يوسري حزّران: المجتمع الدرزي والدولة اللبنانية
- ديفيد رومانو: الحركة القومية الكردية
- تانر أكشام: فعل مشين( الإبادة الأرمنية...)