
فاروق غانم خداج كاتب لبناني وباحث
في الأدب والفكر الإنساني
ليس اللهُ شعارًا نرفعه في وجوهِ الآخرين، ولا فكرةً كبرى نتفاخرُ بها ونمضي متبخترين؛ بل هو أعمقُ من أن تحويه الحروفُ، وأقربُ إلينا من حبلِ الوريدِ. ليس اسمًا نتغنّى به، بل معنى نَتخلّقُ به، وسلوكًا نسلكه ليرضى، وطريقًا نسيرُ فيه حتى تتوافقَ أرواحُنا مع الخيرِ، ونحترمُ مخلوقاتِه لأن في كلِّ كائنٍ أثرًا من نفحتِه الأولى.
إن معرفةَ اللهِ ليست إضافةً إلى حياتِنا، بل عودةٌ إلى جوهرِها.لقد ابتلينا، في زمنٍ صاخبٍ، بأناسٍ يتحدثون عن اللهِ كأنه ملكٌ يميلُ إليهم وحدهم. يجعلونه سلاحًا في خطابٍ، أو رايةً في خصومةٍ.
بينما الحقيقةُ البسيطةُ تقول إنَّ اللهَ لا يحتاجُ إلى جنودٍ يدافعون عنه، بل إلى قلوبٍ تعرفُه؛ والقلبُ لا يعرفُه إلا إذا استقامَ على الرحمةِ، وانحنى أمامَ الضعيفِ، ومدَّ يدَه إلى محتاجٍ دون أن يتباهى بصورةٍ على المرآةِ.اللهُ، في أجملِ معانيه، هو الخيطُ الخفيُّ الذي يصلُ الإنسانَ بإنسانيّتِه. إن غاب هذا المعنى، صار الإيمانُ زخرفةً لغويّةً بلا أثرٍ، وصارت العباداتُ طقوسًا بلا روحٍ.
وقد دلّنا الوحيُ على أن القربَ الحقيقيَّ ليس بالمظاهر، بل بصفاءِ القلبِ واستقامةِ السلوكِ، وأن الكرامةَ الإنسانيةَ أصلٌ ثابتٌ في كلِّ نفسٍ.
فالإيمانُ الحقيقيُّ كالشجرةِ الطيبةِ: لا تُعرفُ بضجيجِ أوراقِها، بل بظلِّها وثمارِها. إنما يبدأُ من موقفٍ صغيرٍ: نظرةٍ رحيمةٍ إلى فقيرٍ، كلمةٍ طيبةٍ لوالديك، معاملةٍ حسنةٍ لزوجتِك وأولادِك، رأفةٍ بذوي رحمِك، وحرصٍ على أن يكون حضورُك نعمةً لا عبئًا.
ما معنى اللهِ لمن يظلمُ؟ لمن يسرقُ؟ لمن يجرحُ؟ لمن يقتلُ باسمِ الهويةِ؟ ما معنى الصلاةِ لمن يدُه ملوّثةٌ بالكذبِ؟ لقد ارتبطت العبادةُ في روحِها بالعدلِ والإحسانِ، لا بالشكلياتِ وحدها.
فالمحرابُ الحقيقيُّ هو الضميرُ، وإذا لم يتطهّر الداخلُ، فلن تغيّر الحركاتُ الخارجيةُ شيئًا في جوهرِ الإنسانِ.وليس معنى ذلك إهمالَ الشعائرِ أو انتقاصَها، بل إعادتها إلى مكانِها الطبيعيِّ: طريقًا للتزكيةِ لا سلّمًا للتفاخرِ.
فإن كان الصومُ يجعلُنا نشعرُ بجوعِ الآخرينِ، فقد عرفنا اللهَ. وإن كانت الصلاةُ تجعلُنا أقلَّ قسوةً، فقد عرفنا اللهَ. وإن كان الذكرُ يطهّرُ أفواهَنا من الغيبةِ والباطلِ، فقد عرفنا اللهَ.
وما عدا ذلك مجردُ حركاتٍ بلا روحٍ.اللهُ قريبٌ من الإنسانِ القريبِ من ضميرِه. من الأمِّ التي تسهرُ على طفلِها، من الأبِ الذي يعملُ ليلًا ونهارًا ليصنعَ مستقبلًا لأسرتهِ، من الجارِ الذي يحفظُ جارَه، من الشابِّ الذي يقاومُ إغراءاتِ الحياةِ فيختارُ الصدقَ، من الشيخِ الذي يتسامحُ بدل أن يخاصمَ.
في هذه التفاصيلِ الصغيرةِ يتجلى المعنى الإلهيُّ أكثرَ من تجلّيه في الخطاباتِ الكبرى.ومع ذلك، ما زال كثيرون يبحثون عنه في الكتبِ وحدها.
لكن الكتبُ – مهما علت – لا تمنحُ معنى الحضورِ إن لم تكن الروحُ مستعدةً. إنَّ اللهَ موجودٌ في لحظةِ صدقٍ حين تقفُ أمامَ نفسِك بلا أقنعةٍ.
موجودٌ حين تخجلُ من خطيئةٍ اقترفتَها احترامًا للنورِ الذي وضعه في داخلِك.
موجودٌ حين تعتذرُ، وحين تعترفُ بضعفِك، وحين تبذلُ الخيرَ دون انتظارِ شهودٍ. وفي داخل كلِّ إنسانٍ نفخةٌ من روحِه، تذكّرُه أنَّ الكرامةَ ليست اكتسابًا بل أمانة.
اللهُ ليس بعيدًا كما نظنُّ. نحنُ الذين نبني الجدرانَ بيننا وبينه، وهو يدعونا إلى أن نعودَ إلى صفاءِ الفطرةِ التي خُلِقنا عليها.
لا يبعدُنا عقابٌ منه، بل سوءٌ في نياتِنا. وهو لا يردُّنا عن بابِه، بل يتركُنا نكتشفُ نتائجَ خياراتِنا لكي نعودَ إليه بقلوبٍ حرّةٍ، لا بقلوبٍ خائفةٍ.
فالعودةُ الحقيقيةُ وعيٌ ومسؤوليةٌ قبل أن تكونَ خوفًا.
اللهُ لا يسألُنا عن صلاتِنا فقط، بل عن دموعِ اليتيمِ التي مسحناها، وعن جوعِ الجارِ الذي أشبعناه، وعن ظلمةِ الطريقِ التي أضأناها لغيرِنا.
في وجهِ الآخرِ، يضعُ اللهُ مرآته.ولعلَّ أعظمَ ما نتعلمُه من علاقتِنا باللهِ، أن لا نكونَ نحنُ الفاصلَ بين الناسِ وبينه. فاللهُ وحده يعلمُ السرائرَ، ويُدركُ النوايا، ويُحصي الصدقَ الخفيَّ.
لذلك فإن التواضعَ الروحيَّ شرطٌ لفهمِ الإيمانِ، وأساسٌ لسلامِ المجتمعِ.اللهُ هو مدرسةُ الأخلاقِ الكبرى. هو مصدرُ المعنى حين تضيقُ اللغةُ، وهو الأمانُ الذي يزرعُ في القلبِ شجاعةَ الاستمرارِ.
حين يضيقُ العالمُ، يتسعُ صدرُ المعنى لمن يأتونه بقلوبٍ منكسرةٍ.الإنسانُ لا يُحاسبُ على أنه لم يُصبح قديسًا، بل على أنه لم يحاولْ. المحاولةُ عبادةٌ. الندمُ تحوّلٌ داخليٌّ. يموتُ في الإنسانِ ماضٍ ثقيلٌ، ويولدُ فيه ضوءٌ جديدٌ.
وكلُّ توبةٍ صادقةٍ هي ولادةٌ روحيّةٌ تعيدُ ترتيبَ القلبِ، وتُعيدُ بناءَ العلاقةِ بين الإنسانِ وربِّه.
في النهايةِ، اللهُ ليس فكرةً نبحثُ عن دليلِها، بل حضورٌ نبحثُ عن أثرِه فينا. هو ممرٌّ إلى الإنسانِ، وجسرٌ إلى السلامِ الداخليِّ، ونافذةٌ نطلُّ منها على معنى الوجودِ.
أن تعرفَ اللهَ يعني أن تعرفَ نفسَك، وأن تُنصتَ إلى ضميرِك، وأن تُحسنَ إلى غيرِك؛ أي أن تعودَ إلى جوهرِك الأول.
فلنحملِ اللهَ كما يجبُ:لا في صراخِنا، بل في هدوئِنا.لا في خصومتِنا، بل في محبتِنا.لا في اختلافاتِنا، بل في إنسانيّتِنا.
وهكذا يصبحُ اللهُ ليس اسمًا نتغنّى به، بل وعيًا يُنضجُنا، ومسؤوليةً تُهذّبُنا، وطريقًا نسيرُ فيه بصدقٍ… حتى ينعكسَ نورُ المعنى في سلوكِنا