
لطالما أرسلت إلينا صور المريخ مشاهد تبدو للوهلة الأولى وكأنها تنتمي إلى عالم الخيال العلمي. صخور تشبه الحيوانات، تضاريس تبدو كوجوه بشرية، وتكوينات تأخذ أشكالًا مألوفة على الأرض.
ومن بين أكثر المشاهد إثارة تلك التي بدت في إحدى صور المريخ وكأنها مجموعة من قناديل البحر العملاقة تنتشر فوق سطح الكوكب الأحمر.لكن القصة العلمية أكثر إثارة من الخيال نفسه.فقد نشرت وكالة الفضاء الأميركية ناسا صورة التقطتها مركبة Mars Odyssey بواسطة كاميرا THEMIS، وظهرت فيها مجموعة من التلال تحيط بها خطوط وتكوينات شعاعية جعلتها تبدو، عند النظر إليها، مثل مجموعة من قناديل البحر. الصورة التُقطت في مارس/آذار 2012، ونشرتها ناسا لاحقًا ضمن سلسلة صورها للتكوينات الغريبة على سطح المريخ.
بالطبع لا. لا تشير الصورة إلى وجود كائن حي أو حيوان غريب على سطح المريخ. ما نراه هو تكوين جيولوجي طبيعي، لكن زاوية التصوير وترتيب التضاريس والظلال جعلت الشكل يبدو مألوفًا للعين البشرية.
وهنا تظهر ظاهرة نفسية معروفة باسم «الباريدوليا» (Pareidolia)، وهي ميل الدماغ إلى التعرف على أشكال مألوفة في أشياء لا تمثلها في الحقيقة؛ فنرى وجهًا في صخرة، أو حيوانًا في السحب، أو جسمًا يشبه كائنًا حيًا في تضاريس بعيدة.والمريخ غني بهذه الأمثلة.
فقد سبق أن أثارت صورة شهيرة لمنطقة تبدو كأنها وجه بشري اهتمامًا عالميًا، قبل أن توضح ناسا أن الشكل في الحقيقة عبارة عن تضاريس صخرية وأن الإضاءة والظلال ساعدتا على خلق مظهر الوجه.
يمتلك سطح المريخ تاريخًا جيولوجيًا طويلًا، تعرض خلاله للرياح والعواصف الرملية والتغيرات الحرارية والتعرية. ويمكن للرياح المحملة بالغبار والرمال أن تنحت الصخور ببطء شديد، فتنتج أشكالًا غير منتظمة قد تبدو أحيانًا وكأنها منحوتات مصنوعة بعناية.
وقد وثقت مركبة Perseverance نفسها عدة تكوينات غريبة. ففي عام 2023 التقطت صخرة ذات شكل يشبه الكعكة أو «الدونات»، ورجحت ناسا أن تكون قد تشكلت نتيجة تآكل صخرة أصغر أو أكثر من صخرة بالقرب من مركزها، قبل أن توسع الرياح التجويف مع مرور الزمن.
وفي صورة أخرى، ظهرت تكوينات صخرية تشبه «شبكة عنكبوتية» واسعة، لكن التحليل العلمي أظهر أنها تراكيب جيولوجية تسمى boxwork، وهي شبكة من نتوءات صخرية تفصل بينها تجاويف، ويعتقد العلماء أنها تحمل أدلة على نشاط المياه الجوفية القديمة على المريخ.
المشكلة ليست في الصور نفسها، بل في الطريقة التي نفسر بها ما نراه. فعندما تظهر صورة منخفضة الدقة أو مأخوذة من مسافة بعيدة، يمكن للدماغ أن يملأ التفاصيل الناقصة ويحوّل التضاريس الطبيعية إلى شيء مألوف.
ولهذا فإن العلماء لا يتعاملون مع صورة غريبة باعتبارها دليلًا على وجود حياة، بل يبدأون بطرح أسئلة أكثر دقة: ما طبيعة الصخور؟ كيف تشكلت؟ هل تتكرر الظاهرة في مناطق أخرى؟ وما الذي تكشفه الصور عالية الدقة والبيانات الطيفية والجيولوجية؟
وهذا هو سبب أهمية المركبات الجوالة مثل Perseverance وCuriosity؛ فهي لا تكتفي بالتقاط صور مثيرة، بل تدرس الصخور والتربة وتبحث عن الأدلة التي يمكن أن تساعد في فهم تاريخ المريخ وإمكانية وجود حياة ميكروبية قديمة عليه.
ربما لن يكون «قنديل البحر» المريخي كائنًا حيًا، لكن الصورة تذكرنا بشيء مهم: المريخ ما زال قادرًا على مفاجأتنا حتى عندما تكون الإجابة جيولوجية وليست بيولوجية.
فالصخور التي نراها اليوم تشكلت عبر ملايين أو مليارات السنين، والرياح والمياه القديمة والتصادمات النيزكية والتغيرات المناخية تركت بصماتها على سطح الكوكب.
لذلك، عندما تظهر صورة جديدة لجسم يبدو وكأنه حيوان أو نبات أو حتى مخلوق فضائي، فإن السؤال العلمي الصحيح ليس: «هل وجدنا حياة على المريخ؟»، بل: «ما العملية الطبيعية التي صنعت هذا الشكل؟»وفي كثير من الأحيان، تكون الإجابة أكثر روعة من الصورة نفسها.