رحلة القلب عبر التاريخ: من الخوف من لمسه إلى جراحته

منذ أن عرف الإنسان معنى الألم والخفقان وضيق التنفس، ظلّ القلب أكثر أعضاء الجسد غموضًا وإثارةً للفضول. فالقلب ليس مجرد عضو يضخ الدم، بل ارتبط عبر التاريخ بالحياة والمشاعر والروح، لذلك شكّل فهم أمراضه تحديًا استمر قرونًا طويلة.

بدأت ملاحظة أمراض القلب منذ الحضارات القديمة، فقد سجّل أطباء مصر القديمة أوصافًا لأعراض تشبه أمراض القلب والشرايين، بينما كتب أطباء اليونان القديمة عن النبض وأهميته في تشخيص الأمراض. 

لكن الفهم العلمي الحقيقي للقلب لم يبدأ إلا بعد اكتشاف الدورة الدموية على يد ويليام هارفي في القرن السابع عشر، وهو الاكتشاف الذي غيّر الطب إلى الأبد.أما اكتشاف "مرض القلب" كتصنيف طبي واضح، فلم يحدث دفعة واحدة، بل تطوّر تدريجيًا.

ففي القرن التاسع عشر بدأ الأطباء يربطون بين آلام الصدر ومشكلات الشرايين التاجية، ثم أصبحت أمراض القلب مع القرن العشرين من أكثر الأمراض التي خضعت للدراسة، خاصة بعد انتشار الجلطات القلبية وأمراض الشرايين.

أما أولى عمليات القلب، فقد مرت بمراحل متعددة. ففي عام 1896 أجرى الجراح لودفيغ رين أول عملية ناجحة معروفة لخياطة جرح في القلب، وهو إنجاز كان يُعتبر مستحيلًا في ذلك الوقت. 

لكن العمليات الحديثة للقلب المفتوح لم تبدأ إلا لاحقًا.وتُعد أول عملية قلب مفتوح ناجحة باستخدام آلة القلب والرئة عام 1953 على يد جون غيبون نقطة تحول تاريخية؛ إذ سمحت هذه التقنية بإيقاف القلب مؤقتًا وإجراء جراحات داخلية مع استمرار دوران الدم في الجسم.

بعد ذلك تطورت جراحة القلب بسرعة كبيرة، فظهرت عمليات زراعة القلب، وأصبحت أول عملية زراعة قلب ناجحة نسبيًا عام 1967 على يد كريستيان برنارد في كيب تاون، لتفتح الباب أمام عصر جديد في الطب.

اليوم، أصبحت أمراض القلب من أكثر الأمراض دراسةً وعلاجًا، وتحولت العمليات التي كانت تُعدّ معجزات طبية قبل عقود قليلة إلى إجراءات روتينية تنقذ ملايين البشر سنويًا.

وهكذا، فإن تاريخ القلب ليس فقط تاريخ عضوٍ في الجسد، بل هو أيضًا قصة طويلة من محاولات الإنسان لفهم الحياة نفسها.