سيرغي بويتسوف… قفزة من قلب الستراتوسفير تحوّلها إلى رقم قياسي عالمي

لم تكن القفزة التي نفذها المظلي الروسي سيرغي بويتسوف مجرد مغامرة جوية استثنائية، بل تحولت إلى إنجاز رياضي عالمي جديد، بعدما غادر سلة منطاد حراري على ارتفاع 11,551 مترًا فوق إقليم ألتاي الروسي، في قفزة من طبقات الستراتوسفير، محطمًا الرقم القياسي السابق المسجل عند نحو 10,060 أمتار. وقد نُفذت القفزة في 15 آب/أغسطس 2026، في إطار مشروع حمل اسم «Stratum Jump 11–12»، وانطلقت رحلة المنطاد من منطقة قريبة من مدينة أليسك في ألتاي، قبل أن يغادر بويتسوف السلة على الارتفاع القياسي، ثم يهبط بالمظلة في منطقة أوست-كالمانسكي.

ما يجعل هذا الإنجاز أكثر إثارة ليس الارتفاع وحده، وإنما الظروف التي واجهها الرياضي في تلك المنطقة من الغلاف الجوي. فعلى ارتفاع يزيد على 11 كيلومترًا، بلغت درجة الحرارة الخارجية قرابة 59 درجة مئوية تحت الصفر، ما جعل ارتداء بدلة متخصصة وتجهيزات ملائمة للارتفاع والبرودة أمرًا أساسيًا لاستكمال المهمة. وتشير التقارير إلى أن بويتسوف خضع قبل القفزة لاختبارات في غرفة الضغط حتى ارتفاع يقارب 12 كيلومترًا، إضافة إلى اختبارات للمعدات في درجات حرارة وصلت إلى نحو 60 درجة تحت الصفر. ولم تكن المهمة فردية في حقيقتها، إذ شارك في التحضير لها فريق كبير من المهندسين والمصممين والطيارين والمتخصصين في تقنيات الطيران والمظلات. ووفق وزارة الرياضة في إقليم ألتاي، استغرقت التحضيرات نحو نصف عام، فيما بلغ عدد المتخصصين المشاركين في المشروع نحو 100 شخص.

بعد مغادرة المنطاد، دخل بويتسوف مرحلة السقوط الحر التي استمرت نحو دقيقتين ونصف، وخلالها وصلت سرعته القصوى إلى حوالي 501 كيلومتر في الساعة، قبل فتح المظلة على ارتفاع 1,565 مترًا عن سطح الأرض. واستغرقت الرحلة الجوية بأكملها نحو 7 دقائق و19 ثانية، وانتهت بنجاح ودون تسجيل مشكلات خلال عملية الهبوط. وهنا تكمن صعوبة القفزات من الارتفاعات الشاهقة؛ فالمظلي لا يواجه مجرد سقوط سريع، بل يدخل بيئة تختلف فيها درجة الحرارة وكثافة الهواء والضغط الجوي بصورة كبيرة عن الظروف القريبة من سطح الأرض.5

قاد المنطاد خلال هذه المهمة إيفان مينيايلو، رئيس اتحاد رياضة المناطيد في روسيا، والذي سبق أن شارك في إنجازات ارتفاعية مهمة. وبلغ المنطاد نفسه ارتفاعًا أقصى قدره 11,610 أمتار، وهو ما يمثل بدوره رقمًا قياسيًا وطنيًا لارتفاع التحليق بهذا النوع من المناطيد وفق البيانات المنشورة عن المهمة. واستخدم في الرحلة منطاد حراري ضخم يبلغ حجمه نحو 10 آلاف متر مكعب، صُمم لتمكين الفريق من الوصول إلى الارتفاع المطلوب، وهو ما يوضح أن القفزة لم تكن مجرد مغامرة فردية، وإنما مشروعًا هندسيًا وجويًا معقدًا.

لا تأتي هذه القفزة من فراغ في مسيرة سيرغي بويتسوف؛ فهو رياضي روسي متخصص في القفز بالمظلات والرياضات الجوية المتطرفة، وسبق أن نفذ سلسلة من القفزات والمشروعات غير التقليدية.ومن أبرز إنجازاته السابقة قفزات من ارتفاعات شاهقة ومشروعات جوية مرتبطة بالمناطيد، كما دخل في عام 2023 التاريخ الرياضي الروسي بعد قفزه بالمظلة من الطابق السابع والثمانين في مركز لاختا في سان بطرسبورغ. وتشير المصادر المتخصصة إلى أن لديه آلاف القفزات بالمظلات، ويحمل التصنيف الدولي USPA D.

قد يبدو للوهلة الأولى أن القفز من منطاد لا يختلف كثيرًا عن القفز من طائرة، لكن الواقع مختلف. فالمنطاد يتحرك بطريقة مختلفة، ولا يوفر للمظلي الظروف الديناميكية نفسها التي توفرها الطائرة، كما أن الوصول إلى ارتفاعات الستراتوسفير يتطلب منظومة متكاملة من التحكم بالارتفاع والاتصالات والأكسجين والحماية الحرارية.وكان بويتسوف قد شارك سابقًا في أكثر من 300 قفزة من المناطيد، وهو ما جعله يمتلك خبرة خاصة بهذا النوع من القفزات قبل خوض تجربة الارتفاع القياسي.

أهمية هذا الإنجاز لا تكمن فقط في الرقم 11,551 مترًا، وإنما في إثبات إمكانية تنفيذ قفزة بالمظلة من هذا الارتفاع بواسطة منطاد حراري، في ظروف تتطلب تنسيقًا بالغ الدقة بين الإنسان والمنطاد والمعدات والأرصاد الجوية والفريق الأرضي.كما أن الرقم الجديد تجاوز الرقم السابق المسجل عند 10,060 أمتار، ليصبح بويتسوف صاحب الرقم القياسي الجديد في هذه الفئة وفق التقارير المنشورة عن الحدث. وهكذا تحولت السماء فوق ألتاي إلى مسرح لإنجاز استثنائي؛ منطاد يصعد إلى أطراف الستراتوسفير، ورياضي يقف على ارتفاع أكثر من 11 كيلومترًا فوق الأرض، ثم يترك السلة ويدخل في سقوط حر بسرعة تتجاوز 500 كيلومتر في الساعة قبل أن تفتح المظلة على ارتفاع أقل من كيلومترين.إنها ليست مجرد قفزة من منطاد، بل تجربة تجمع بين الرياضة والهندسة والعلوم الجوية والقدرة البشرية على مواجهة أقسى الظروف، وتضيف فصلًا جديدًا إلى تاريخ القفزات الجوية عالية الارتفاع.