صخور تتحرك وحدها من دون أن يلمسها أحد

تبدو للوهلة الأولى وكأنها قصة من الخيال: صخور كبيرة تتحرك فوق أرض صحراوية جافة، وتترك خلفها خطوطًا طويلة دون أن يلمسها أحد. لكن هذه الظاهرة حقيقية، وقد حيّرت العلماء والباحثين لعقود. وتُعرف هذه الصخور باسم «الصخور الشراعية» أو Sailing Stones، وتشتهر بها منطقة Racetrack Playa في منتزه وادي الموت الوطني بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

كيف تتحرك الصخور؟

تقع Racetrack Playa على سطح بحيرة جافة شديد الاستواء. تنتشر فوقه صخور بأحجام مختلفة، وبعضها يزن مئات الكيلوغرامات. والأغرب أن بعض هذه الصخور تترك خلفها آثارًا طويلة ومتعرجة على الطين، وكأنها انزلقت لمسافات كبيرة. وقد تصل بعض الآثار إلى مئات الأمتار. 

ظل العلماء فترة طويلة يطرحون عدة تفسيرات لهذه الظاهرة، مثل الرياح القوية، والعواصف الترابية، والمياه، وحتى بعض الأفكار المتعلقة بالمغناطيسية. لكن الدراسات الحديثة والمراقبة المباشرة كشفت السبب الحقيقي.

السر: الماء والجليد والرياح

عندما تهطل الأمطار في المنطقة، قد تتجمع طبقة ضحلة من الماء فوق أرض البحيرة الجافة. وفي ليالي الشتاء الباردة، تنخفض درجة الحرارة بما يكفي لتجمّد هذا الماء وتشكّل صفائح رقيقة من الجليد.وعندما تشرق الشمس، يبدأ الجليد في الذوبان والتفتت إلى ألواح كبيرة عائمة. ثم تأتي رياح خفيفة نسبيًا فتدفع هذه الألواح الجليدية فوق سطح الماء والطين، فتدفع معها الصخور الموجودة أمامها. وبذلك تتحرك الصخور ببطء شديد وتترك أخاديد واضحة في الطين. وقد تمكن الباحثون في عام 2013 من مشاهدة الصخور وهي تتحرك بالفعل، باستخدام أجهزة رصد وكاميرات ومعدات تحديد المواقع. وتبين أن بعض الصخور تحركت عشرات الأمتار، بينما تحركت إحداها في سلسلة من الحركات لمسافة تجاوزت 200 متر.

لماذا تبدو الصخور وكأنها تتحرك بمفردها؟

السبب في غموض الظاهرة أن حركة الصخور نادرة جدًا وبطيئة. فقد تبقى الصخرة في مكانها لسنوات طويلة قبل أن تتحرك، كما أن الحركة قد تستمر لبضع دقائق فقط. لذلك كان من الصعب جدًا على العلماء مشاهدة الحركة مباشرة قبل وضع أجهزة المراقبة في المنطقة.

هل تتحرك الصخور فعلًا من دون قوة؟

لا. فالصخور لا تتحرك من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى اجتماع ثلاثة عوامل طبيعية نادرة:

  1. الماء الذي يجعل سطح الطين زلقًا.
  2. درجات الحرارة المنخفضة التي تكوّن طبقة رقيقة من الجليد.
  3. الرياح التي تدفع ألواح الجليد، فتدفع الصخور معها.

وقد أظهرت الملاحظات العلمية أن الرياح اللازمة ليست بالضرورة عواصف شديدة؛ فقد تحركت الصخور في بعض الحالات مع رياح سرعتها نحو 3–5 أمتار في الثانية، بينما كانت صفائح الجليد رقيقة جدًا، بسماكة بضعة مليمترات فقط.

تُعد ظاهرة الصخور المتحركة في صحراء وادي الموت مثالًا رائعًا على أن الطبيعة قد تبدو غامضة ومليئة بالأسرار، لكنها غالبًا تخفي وراءها قوانين علمية دقيقة. فما يبدو كأن الصخور تتحرك وحدها بطريقة خارقة هو في الحقيقة نتيجة نادرة لتفاعل الماء والجليد والرياح والطين. وقد ساعدت المراقبة العلمية الحديثة على تحويل هذا اللغز الصحراوي من قصة غامضة إلى ظاهرة يمكن تفسيرها علميًا.