
في مدينة عدن اليمنية، حيث تتعانق الجبال البركانية مع زرقة السماء، يقف معلم تاريخي استثنائي يروي قصة الإنسان في مواجهة الطبيعة، هو صهاريج الطويلة، المعروفة أيضًا باسم صهاريج عدن. ليست هذه الصهاريج مجرد أحواض لتخزين المياه، بل نظام هندسي قديم استغل تضاريس المنطقة الصخرية لتجميع مياه الأمطار وتخزينها والحدّ من أخطار السيول.وتزداد أهمية هذا المعلم لأنه يقع في وادي الطويلة، عند سفوح جبل شمسان، ضمن المشهد الجيولوجي البركاني الذي يميز مدينة عدن، المعروفة تاريخيًا بارتباط عمرانها بفوهة بركانية قديمة. وقد أشارت وثائق ترشيح مدينة عدن إلى قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو إلى القيمة الاستثنائية لهذا النظام المائي، بوصفه نموذجًا متقدمًا للتكيّف مع البيئة واستثمار تضاريسها
تعود أصول صهاريج عدن إلى عصور قديمة، لكن تاريخ إنشائها الأول لا يزال موضع نقاش بين الباحثين. فهناك فرضيات تربط بداياتها بممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة، ومنها مملكة حمير، فيما تشير وثائق اليونسكو إلى أن أقدم أجزاء هذا النظام قد تعود إلى فترات أقدم بكثير، ربما بين 1500 و3000 سنة قبل الميلاد. لذلك، من الأدق القول إن الصهاريج تطورت عبر مراحل تاريخية متعددة، وليس إن تاريخ بنائها الأول محسوم بصورة نهائية.
أما اسم «الطويلة»، فيرتبط باسم الوادي الذي تقع فيه هذه المنشآت. وقد عُرفت الصهاريج بأهميتها في حياة سكان عدن، إذ كانت المدينة بحاجة دائمة إلى وسائل موثوقة للحصول على المياه العذبة، في ظل مناخ جاف ومحدودية الموارد المائية.وتشير روايات تاريخية إلى أن الصهاريج كانت معروفة في القرون الأولى للإسلام؛ كما أشار الجغرافي اليمني الهمداني في القرن العاشر الميلادي إلى وجود خزانات في عدن كانت تجمع المياه عند هطول الأمطار.
تكمن عبقرية الصهاريج في أنها لم تُبنَ بصورة عشوائية، بل استندت إلى فهم عملي لطبيعة الأرض وحركة المياه.فعندما تهطل الأمطار على المرتفعات المحيطة بجبل شمسان، تنحدر المياه عبر الأودية والممرات الطبيعية، ثم تُوجَّه بواسطة قنوات إلى أحواض متتابعة. وتساعد هذه الأحواض على تجميع المياه وتخفيف اندفاع السيول، فيما يسمح النظام بتصريف المياه الزائدة بدلًا من تركها تجتاح المناطق المنخفضة.وقد استُخدمت الصخور البركانية في حفر الخزانات وتشكيل جدرانها، مع مواد تقليدية عازلة تساعد على الحدّ من تسرّب المياه. وهكذا تحولت الطبيعة الصخرية، التي قد تبدو عائقًا أمام العمران، إلى أساس لمنشأة مائية متكاملة.وتصف اليونسكو منظومة إدارة المياه في عدن بأنها تقوم على تكامل المرتفعات والصهاريج والقنوات، بما يسمح بتنظيم جريان الأمطار وتوجيه فائضها نحو الساحل.
تختلف الأرقام الواردة في المصادر التاريخية بشأن العدد الأصلي للصهاريج وسعتها، نتيجة تعدد مراحل البناء والترميم والتغيير التي شهدها الموقع.وتذكر مصادر تاريخية أن المنظومة كانت تضم أكثر من خمسين خزانًا، لم يبقَ منها سوى نحو 13 صهريجًا رئيسيًا بعد أعمال التعديل والترميم التي جرت على مدى قرون، ولا سيما خلال القرن التاسع عشر. كما تورد بعض المراجع تقديرات مختلفة للسعة الإجمالية، تبعًا للفترة التاريخية والتصميم الذي تتناوله. ومن أبرز المنشآت المعروفة في الموقع صهريج كوغلان، وصهريج بلايفير الدائري، اللذان يبرزان اختلاف أشكال الأحواض وأحجامها ووظائفها ضمن المنظومة.
بالرغم من أهمية الصهاريج، فإنها تعرضت على مر الزمن للإهمال والترسبات والأضرار الناجمة عن السيول، وتراجعت كفاءتها في فترات مختلفة. وخلال العهد الرسولي في اليمن، بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، جرت محاولات لإصلاحها والاستفادة منها مجددًا.وفي القرن التاسع عشر، خلال الحكم البريطاني لعدن، أُعيد اكتشاف أجزاء من المنظومة التي كانت قد طمرتها الرواسب، ونُفذت أعمال ترميم واسعة ابتداءً من خمسينيات ذلك القرن. غير أن بعض هذه الأعمال غيّر شكل الخزانات وتوزيعها الأصلي، ما يجعل الصهاريج التي نراها اليوم نتيجة تراكم مراحل تاريخية وهندسية مختلفة.
تتجاوز أهمية الصهاريج وظيفتها الأساسية في تخزين المياه؛ فهي تقدم درسًا تاريخيًا في كيفية التعامل مع الموارد الطبيعية قبل ظهور التقنيات الحديثة.أولًا، تثبت أن حصاد مياه الأمطار كان جزءًا من التخطيط الحضري في جنوب الجزيرة العربية منذ العصور القديمة. وثانيًا، تكشف عن قدرة المجتمعات على الاستفادة من الانحدارات الطبيعية والصخور البركانية لتقليل أخطار الفيضانات. وثالثًا، تؤكد أن البنية التحتية المستدامة لا تتطلب دائمًا تقنيات معقدة، بل قد تبدأ بفهم دقيق للأرض والمناخ ومسارات المياه.وتكتسب هذه الدروس أهمية متجددة اليوم، مع ازدياد الاهتمام بحصاد مياه الأمطار، وإدارة السيول، وترشيد استهلاك المياه، وتصميم المدن القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
أدرجت اليونسكو مدينة عدن ضمن قائمتها الإرشادية المؤقتة للتراث العالمي، وأبرزت في ملفها التاريخي قيمة صهاريج الطويلة بوصفها جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة المياه، إلى جانب القلاع والتحصينات والمباني التاريخية التي تعكس أهمية المدينة التجارية والاستراتيجية عبر القرون. وهذا الإدراج في القائمة الإرشادية لا يعني أن المدينة أُدرجت نهائيًا على قائمة التراث العالمي.
إن حماية هذا المعلم لا تقتصر على ترميم الحجارة، بل تشمل صيانة القنوات، وإزالة الرواسب، ودراسة النظام المائي، وتوثيق مراحله التاريخية، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته العلمية والحضارية.
تروي صهاريج عدن قصة حضارة أدركت أن الماء ليس مجرد مورد، بل أساس للاستقرار والحياة. ففي قلب المشهد البركاني، استطاع الإنسان أن يوظف الصخور والانحدارات والأمطار ليبتكر نظامًا يخدم المدينة ويحميها من أخطار السيول.وما يجعل هذا المعلم جديرًا بالاهتمام ليس عمره وحده، بل الفكرة التي يجسدها: أن فهم الطبيعة والتخطيط السليم يمكن أن يحوّلا التحديات الجغرافية إلى حلول مستدامة. وبين الماضي والحاضر، تبقى صهاريج الطويلة شاهدًا على إبداع الإنسان وقدرته على بناء علاقة متوازنة مع بيئته.