
يعتبر النصّ الشعري كينونة الذات، وبما أن النصّ لغة تعتمد القول الشعري، فإنّنا نبحث عن القول الأوّل للنصّ، حيث تصبح الذات هي القول الأوّل بخصوص التنبيهات والعلاقات النصّية؛ ومن الأوّليات المطلقة نحو الفضاء الواسع، فتهيئ مساحتها لتقيم علاقاتها مع الحواس، وتتدخل في الأثر الحسّي وتعمل على تقريب الأبعاد، ودمج المقرّبات، ويكون النصّ هو الحاضنة الأصليّة، والذي يبدأ بأصغر وحدة لغويّة، كمطلع من مطالع النصّ الشعري وانطلاقته.
من خلال الفعل التأثيري وارتباطه بوظيفة اللغة الإيحائيّة والانفعاليّة، تتجاوز الكلمات معناها المعجمي المباشر لتؤدّي دورًا أدائيًا، يؤثّر في وعي المتلقي وإحساسه. فالنصّ الشعري لدى الشاعرة سناء لا يكتفي بنقل تجربة، بل يعيد تشكيل تجربة التلقّي نفسها عبر الدهشة، الصدمة، الإرباك، أو الاستفزاز الجمالي.
قدّمت الشاعرة اللبنانية سناء شجاع نصّا تحت عنوان (قبلةٌ... ما كفّتها تاء)، وهو العتبة الأولى التي اعتمدته الشاعرة في تماسكاتها النصّية وقد اعتمدت على حريّة التعبير وعفوية الكتابة لكي تقودنا إلى ما وراء الواقع ضمن القول التنبيهي في النصّ المكتوب.
انهمر المطر
من فمه تصدّت رسالة "كلّنا للوطن"
معولُ التراب يبلسم زنده
فرح الشجر
الشاعر الذي بلغ التسعين مرّ من هناك
صاغ من العصفور قصيدة
لم يصطَده
التفّته بِقُبَلِ خريفه
في ركنٍ مدخنةٌ بمتّسع غليون
يقال في ليلة حزينة نفث بقاياه المهزومة.
من قصيدة: قبلة... ما كفّتها تاء – سناء شجاع
من خلال النزول إلى عبقريّة النصّ، نلاحظ أنّ تنقلات اللغة تقودنا بين الرمزيّة والجمل التي ابتعدت عن الواقع المنظور، حيث تضيف لنا اللغة قولا تنبيهيًا يتجانس مع البعد النصّي من جهة، ومع الأبعاد الرؤيوية من جهةٍ ثانية.
ومن خلال الصور العالقة في الذهنية (الصورة الذهنية) ندخل إلى تناقضات الأشياء، وهي تلك الرغبة التي تدفعنا إلى لذة النصّ. (يُفترض الإبداع بدئيًا رفض التقليد، وكلّ طغيان يتمثل "بأحادية التعبير" أيّ القول بشكل فني ثابت أو شكل سابق على العمل الفنّي، مفروض عليه من خارجه.
فالأخذ بأحادية التعبير أو ثبات أشكاله يبطن نظرة أداتية ترى اللغة والشكل الفني "وعاء" جاهزًا أو مجموعة من المفردات والتراكيب القابلة للتكرار، القدرة على استيعاب الجديد المتنوّع، وتلبية الحاجات غير المتناهيّة .– خالدة سعيد – حركية الإبداع – ص 8).
انهمر المطر + من فمه تصدّت رسالة "كلّنا للوطن" + معولُ التراب يبلسم زنده + فرح الشجر + الشاعر الذي بلغ التسعين مرّ من هناك + صاغ من العصفور قصيدة + لم يصطَده + التفّته بِقُبَلِ خريفه + في ركنٍ مدخنةٌ بمتّسع غليون + يقال في ليلة حزينة نفث بقاياه المهزومة.
تعتمد الشاعرة اللبنانية سناء شجاع في تدوين لحظتها الشعريّة على المساحة النصّية وتقودنا إلى ما وراء الواقع، لذلك أطلقت على هذا النوع من الشعر بالتصوير اللحظوي؛ فهي لقطات تشبه نظرة الطائر، فالخطفة التي اعتمدتها حرّة في الذهنيّة وخارج التكبيل، لذلك عندما نعتمد العفويّة الكتابيّة، نكون في منطقة الأحلام: (من فم المطر تصدّت رسالة كلنا للوطن... الشاعر الذي بلغ التسعين مرّ من هناك) هذا الشاعر يشبه الشاعر أدونيس، أو أنّ هناك ما يشبهه أيضًا. ومن هنا استطاعت الشاعرة حياكة تناقضاتها بلغة شعريّة اعتمدت الاختلاف والاختلاف القولي، وذلك لأنّها أطلقت قولًا تحريضيًّا اعتمد التنبيه.
الفتاة التي اعتزلت حبًّا تحوك كنزة
قيل سيغمر الثلج كهولة
الصحافيّ الذي برى قلمه
قصدَ البحرَ يوما
به اصطادَ مركبًا
باع سمك صحيفته ذهبًا عوضًا عن عمولة...
من قصيدة: قبلة... ما كفّتها تاء – سناء شجاع
في عنوة الأحلام يكون النقل النصّي خارج التقليد، ويكون لكلّ حلم حالة تسجيليّة، كأنّ الباث ينقل تلك الوقائع المتناقضة، أو يلتجئ إلى اللامعقول في تدجين النصّ، ويكون للأدوات النصّية ملاءمة شعريّة، أي يلازم النصّ الثقل الشعري وترتيبات خلوته.
الفتاة التى اعتزلت حبًّا تحوك كنزة + قيل سيغمر الثلج كهولة + الصحافيّ الذي برى قلمه + قصدَ البحرَ يومًا + به اصطادَ مركبًا + باع سمك صحيفته ذهبًا عوضًا عن عمولة..
تقودنا الشاعرة سناء شجاع إلى دعوة خارج حلم اليقظة، بل إنّ هناك علاقات دلاليّة بين الفعل الحركي والمعنى، مثلا: حياكة الكنزة من نصيب الفتاة (أنثى)، أمّا العلاقة الجديدة فهي بين قلم الصحافي، وبين البحر المتمتّع بالمراكب والزوارق. وهذا يعني أنّ الجديد له فاعليّة أساسيّة مع أدوات شعريّة مستحدثة، فالفاعليّة، تحتاج إلى تلك الأدوات، وكذلك كلّ ما يطرأ علينا من جديد، يحتاج إلى أدوات جديدة في العمليّة الإبداعيّة.
ودعوة الأحلام في الشعريّة، دعوة سرياليّة – رمزيّة؛ وهي التي تقودنا الى ما وراء الواقع والقفز من أعلى سطور القصيدة.
الحالمةُ المركونة هناك أحبّها الضوء
ما وجد صعوبة كي ينسلّ إليها
لفّها بشال عَتَمة
استفاقت... قبّلها بضوء
قبلةٌ... ما كفّتها تاء
امتلأت شفتَيها بجذر عنب
شفتاها ما كانتا بحالة عطش
قالت حمدًا، ولم تثمل.
من قصيدة: قبلة... ما كفّتها تاء – سناء شجاع
من خلال المفردات المركّبة، تُستجمع الجملة الشعريّة معانيها وتأثيراتها، ويكون للقصديّة باب مفتوح وما يذهب إليه الباث، لذلك يكون للكلمات نتائج جماليّة وأخرى تقودنا إلى مسلك خيالي لتكوين تأويلات معتمدة، فالمعاني تكون متضمّنة في القول أكثر ممّا هي منقولة.
الحالمةُ المركونة هناك أحبّها الضوء + ما وجد صعوبة كي ينسلّ إليها + لفّها بشال عَتَمة + استفاقت... قبّلها بضوء + قبلةٌ... ما كفّتها تاء + امتلأت شفتَيها بجذر عنب + شفتاها ما كانتا بحالة عطش + قالت حمدًا، ولم تثمل.
تظهر الكتابة بمنظورها السريالي والرمزي بصيغتها العفويّة عندما تكون الذات ناضجة كذاتٍ شاعرة، لذلك ما حققته الشاعرة اللبنانية سناء شجاع، يُعد تحريرًا من الأشياء المألوفة، ومن هنا يكون للكتابة وظيفتها الخياليّة: الحالمةُ المركونة هناك أحبّها الضوء + ما وجد صعوبة كي ينسلّ إليها...
ليس من الضروري الانتماء إلى الأشياء عندما نكون في حاضنة نصّية تعتمد الثقل الشعري، ولكن لا تبتعد الشاعرة عن الأشياء اللامرئية في تدجين نصّها كي تُظهر من خلاله عالمها الخيالي.
الشاعرة اللبنانية سناء شجاع ترسم لوحاتها من خلال الخلق النصّي لذلك تعتمد البعد البصري الخيالي، والبعد التداولي اليومي...
قبلةٌ... ما كفّتها تاء
سناء شجاع - لبنان
انهمر المطر
من فمه تصدّت رسالة "كلّنا للوطن"
معولُ التراب يبلسم زنده
فرح الشجر
الشاعر الذي بلغ التسعين مرّ من هناك
صاغ من العصفور قصيدة
لم يصطَده
التفّته بِقُبَلِ خريفه
في ركنٍ مدخنةٌ بمتّسع غليون
يقال في ليلة حزينة نفث بقاياه المهزومة.
الفتاة التى اعتزلت حبًّا تحوك كنزة
قيل سيغمر الثلج كهولة
الصحافيّ الذي برى قلمه
قصدَ البحرَ يوما
به اصطادَ مركبًا
باع سمك صحيفته ذهبًا عوضًا عن عمولة...
الحالمةُ المركونة هناك أحبّها الضوء
ما وجد صعوبة كي ينسلّ إليها
لفّها بشال عَتَمة
استفاقت.. قبّلها بضوء
قبلةٌ... ما كفّتها تاء
امتلأت شفتَيها بجذر عنب
شفتاها ما كانتا بحالة عطش
قالت حمدًا، ولم تثمل.
الساعة تعلن عن استفاقات الصوت
في السلة ورق أخضر
عنب أحمر
أفقُ أشقر
سرد من ياقوتٍ، من مَرمر...
لن تنتهي القصيدة
الآن