
حاوره: عامر الخطيب
مقدمة:
في زمن لم تعد فيه العين وحدها كافية لتمييز الحقيقي من المزيف، وفي عصر تتداخل فيه الأصوات الحقيقية مع المصطنعة، وتتضاعف فيه الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، يخرج من مصر تيار فني-فلسفي جديد يحمل اسماً طموحاً: "ما بعد الإدراك" (Post-Perception).
تيار يتجاوز تقديم فن جميل، الى السعي إلى إعادة بناء الثقة بين الحواس والمعنى، وتدريب الوعي على مقاومة التضليل البصري والسمعي، وطالما تقنا إلى ولادة مدارس وتيارات فكرية تواكب الحالة الإبداعية لدى مجتمعاتنا، وتنظم مفاهيم الحركة الفنية بما يسهل استيعاب الوعي التشكيلي ويمنهج ثقافة النقد والبحث العلمي. حول نشوء هذا التيار نحاور رائد الفكر النقدي والباحث الفني ابراهيم شلبي...
قصة هذا التيار تبدأ في كفر الشيخ، حيث نشأ مؤسسه إبراهيم شلبي طفلاً يحلم بعلبة ألوان لا يملك ثمنها. صنع ألوانه بنفسه من الرمل والغراء، ورسم بالسكين و الفرشاة. اليوم، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من البحث والتجريب، يمتلك شلبي أكثر من 30 عملاً فنياً، و6 كتب توثق رؤيته، واعترافاً دولياً باختيار عمله "عزل" للمشاركة في بينالي مالطا 2026. يقول شلبي: "لم أكن أتوقع أن الرحلة التي بدأت بحلم طفل بعلبة ألوان ستصل إلى تأسيس تيار فني عالمي. لكن الفن كان دائماً طريقي لفهم العالم، وعندما تغير العالم، تغيرت معه أسئلتي".
في تعريفه المبسط، "ما بعد الإدراك" هو تيار فني-فلسفي يسعى إلى تفكيك العلاقة بين الحواس والمعنى، وكشف هشاشة اليقين البصري في عصر أصبحت فيه الصورة قابلة للتوليد من لا شيء. التيار يخلق تجارب حسية تضع المتلقي في قلب التساؤل: هل ما أراه حقيقي؟ هل ما أسمعه صحيح؟ هل يمكن الوثوق بحواسي في عصر التزييف العميق؟ يضم التيار حتى الآن أكثر من 30 عملاً فنياً، موزعة على ستة تصنيفات: أعمال تأسيسية تفكك العلاقة بين الصورة واللغة، وأعمال تطويرية تختبر الزمن والوجود، وأعمال ميتا-نقدية تنقد التيار نفسه، وأعمال كونية تختبر حدود التحمل الإدراكي، وأعمال ما بعد-كونية تتساءل عما بعد الانهيار، وأعمال طقسية-كونية تتأمل في الأسئلة الروحية الكبرى.
"العرش": رمز التيار اختار شلبي كرسياً من خشب البلوط – أسماه "العرش" – ليكون الرمز البصري للتيار. كرسي صمم بتماثل هندسي فائق الدقة، ليحتفظ بكامل وظيفته حتى عندما يقلب رأساً على عقب. يشرح شلبي: "في تاريخ الفن، ظهرت كراسٍ كثيرة تفقد وظيفتها عند توظيفها فنيا. كراس بمسامير، بلا قاعدة ، مقلوبة لا تصلح للجلوس. كلها كانت تقول: 'لا تثق في ما ترى'. أما 'العرش' فيقول شيئاً آخر: 'لا تثق في ما ترى، لأن ما تراه قد يعمل بطريقة لا تتوقعها'.
هذا هو جوهر 'ما بعد الإدراك': استمرار المعنى رغم انقلاب الظاهر". الجمهور مدعو لتجربة "العرش" بنفسه: يلمس الخشب، يجلس، يقلب، يكتشف. لا وجود لـ"أعلى" أو "أسفل" ثابت. الحقيقة الوحيدة هي ما يختاره المتلقي بعد أن يختبر.
المناعة الإدراكية: مفهوم مركزي أحد المفاهيم المركزية في التيار هو "المناعة الإدراكية" – قدرة الوعي على مقاومة التضليل البصري والسمعي في عصر المحاكاة التقنية.
يقول شلبي: "نحن نعيش وباء إدراكياً. حواسنا أصبحت ساحة معركة للخوارزميات. 'ما بعد الإدراك' هو محاولة لبناء مناعة تحمي وعينا من التزييف، ليس عبر الرقابة الخارجية، انما عبر تدريب الوعي على الشك النقدي". أعمال التيار تعمل كلقاحات: جرعة صغيرة من الصدمة الإدراكية تولد مناعة ضد الصدمات الأكبر. في "عتبة الجمال" مثلاً، تتكاثر العصافير على الشاشات حتى يتحول التغريد إلى ضجيج، والجمال إلى ألم. كل متلقٍ يكتشف عتبته الخاصة، ويتعلم حدود جهازه العصبي.
ما يميز "ما بعد الإدراك" عن غيره من التيارات العالمية هو استناده إلى جذور فلسفية عربية. يستحضر التيار نقد الحواس عند الغزالي، ومراتب الإدراك عند ابن سينا، وتجاوز العقل إلى الكشف عند ابن عربي، والتحليل العلمي للإبصار عند ابن الهيثم. يقول شلبي: "لم نأت من فراغ. الفلاسفة العرب سبقوا الغرب في التشكيك في مصداقية الحواس. 'ما بعد الإدراك' هو امتداد لهذا التراث، لكن في سياق معاصر: الذكاء الاصطناعي، التزييف العميق، والخوارزميات التي تعيد برمجة وعينا".
في عام 2025، تم اختيار عمل "عزل" – وهو تركيب من فوارغ الأدوية والنشرات الطبية – للمشاركة في بينالي مالطا الدولي، ضمن 47 مشروعاً فقط من 122 دولة.
التيار لا يزال في بداياته. هناك أعمال جديدة قيد الإنجاز، وكتب قيد الإعداد، وآفاق لم تكتشف بعد. لكن الأهم أنه مشروع مفتوح، يدعو فنانين وباحثين ومفكرين من كل مكان للانضمام إليه. يقول شلبي في ختام حوارنا: "لا أدعي أن لدي إجابات. لدي أسئلة فقط. 'ما بعد الإدراك' هو دعوة لطرح الأسئلة الصحيحة: كيف نرى؟ كيف نسمع؟ كيف نعرف؟ وكيف نقاوم التضليل في زمن الصورة واللغة الزائفة؟"
خاتمة
في عالم تتسارع فيه المحاكاة وتتآكل فيه الحقيقة، يخرج من مصر تيار فني عربي جديد لا يقدم أجمل الصور، انما يقدم وعياً أكثر حصانة. "ما بعد الإدراك" ليس مجرد تيار فني. إنه مشروع حضاري لاستعادة الثقة بين الإنسان وعالمه، طالما تقنا إلى ولادة مذهب فكري مدروس يكشف العلاقة بين المنتج الفني والمتلقي ويُمنهج طرحها بما يعزز الوعي النقدي ويرسخ ثقافة الجمال. ويعتبر هذا الحوار بمثابة دعوة لكافة رواد الفن والإبداع للتأمل والتبصر والفحص والتمحيص في أعماق هذا المشروع الواعي وتغذيته ورفده بكل سبل العيش والاستمرار والرسوخ كلبنة حية تتنفس الرقي والذوق السامي والجمال.