

ALCAP
تُعد مغارة مغارة مار مارون من أبرز المواقع الدينية والتاريخية في منطقة الهرمل، وتقع على الضفة الشرقية من نهر العاصي بمحاذاة نبع عين الزرقاء، وتُعرف أيضاً باسم "مغارة الراهب" لما تحمله من رمزية روحية وتاريخية.
تنسب المغارة إلى القديس مارون الذي عاش في شمال سوريا بين عامي 350 و410 ميلادية، وهو مؤسس النهج الروحي الذي قامت عليه الكنيسة المارونية لاحقاً. وقد اشتهر القديس مارون باتباع نمط نسكي فريد عُرف بـ"النسك في العراء"، حيث كان يعيش حياة التقشف والتأمل في الطبيعة المفتوحة بعيداً عن العمران. ويُرجَّح أن انتشار المغاور المرتبطة باسمه في سوريا ولبنان يعكس انتشار تلاميذه وأتباع مدرسته الروحية.

لا توجد تواريخ دقيقة لبناء المغارة، إلا أن بعض المؤرخين أطلقوا عليها تسمية "قصر البنّائين"، نسبة إلى البنّائين الرومان الذين يُعتقد أنهم استخدموا الموقع أثناء أعمال شق قنوات جر المياه من نهر العاصي إلى مدينة تدمر. ويشير هذا الاحتمال إلى أن المغارة قد استُخدمت في البداية كمأوى أو مركز إقامة للعمال والمهندسين الرومان.المغارة محفورة بشكل طبيعي في الصخر الكلسي، إلا أن الإنسان أضاف إليها عناصر معمارية لاحقاً، أبرزها الواجهة الحجرية المبنية من حجارة صغيرة مقصوبة، إضافة إلى نظام القناطر الحجرية في المدخل. كما تتميز بطابع دفاعي واضح، إذ تحتوي على نوافذ ضيقة تُعرف بكوّات الرمي، تتسع من الداخل وتضيق من الخارج، وهي تقنية دفاعية كانت تُستخدم لحماية المكان من الهجمات.
في عام 425 ميلادية، تحولت المغارة إلى دير لرهبان الموارنة الذين عُرفوا باسم "جماعة بيت مارون"، وهو تجمع رهباني لعب دوراً محورياً في انتشار الفكر الماروني في المنطقة. وقد شهد الموقع حدثاً تاريخياً مؤلماً في عام 517 ميلادية، حين استُشهد نحو 350 راهباً من أتباع مارون بسبب رفضهم الخضوع لسلطة البطريرك ساويروس الأنطاكي، ما جعل المغارة رمزاً للتشبث بالإيمان والاستقلال الديني في التاريخ الماروني.
تعكس المغارة مزيجاً فريداً بين التكوين الطبيعي والتدخل المعماري البشري، ما يجعلها نموذجاً مميزاً للعمارة الصخرية في منطقة وادي العاصي. كما تشير الدراسات الأثرية إلى أن الموقع شهد مراحل استخدام متعددة، دينية وعسكرية وسكنية، ما يعكس أهميته الاستراتيجية عبر العصور.

يتميّز الموقع بجمال طبيعي استثنائي، إذ تحيط به المنحدرات الصخرية وغابات الأشجار البرية، إلى جانب قربه من نبع عين الزرقاء الذي يشكّل أحد أهم مصادر المياه في المنطقة. ويقصد المغارة سنوياً زوار وحجاج وباحثون في التاريخ والتراث الديني، حيث تجمع بين السياحة الدينية والبيئية والثقافية.
تمثل مغارة مار مارون شاهداً حياً على التفاعل بين التاريخ الديني والتراث العمراني والطبيعة اللبنانية، كما تُعد جزءاً مهماً من الذاكرة الروحية والثقافية للموارنة وللبنان عموماً. ويُنظر إليها اليوم كمعلم يجسد قيم الصمود الروحي والانفتاح الحضاري الذي ميّز تاريخ المنطقة.
تصوير الدكتور نزار دندش