
قد تبدو فكرة أن تقوم النحلة بـ«معالجة نفسها» وكأنها مشهد من عالم الخيال، إلا أن سلوكًا مثيرًا للاهتمام لدى نحل العسل دفع العلماء إلى دراسة احتمال وجود شكل من التداوي الذاتي أو التداوي الاجتماعي داخل مستعمرات النحل.
فالنحل لا يعتمد في مواجهة الأمراض والطفيليات على جهازه المناعي الفردي فحسب، بل يمتلك أيضًا منظومة دفاع جماعية تُعرف في علم الأحياء باسم المناعة الاجتماعية، حيث تتعاون أفراد المستعمرة للحد من انتشار مسببات المرض وحماية الخلية بأكملها.
ومن أبرز أدوات هذه المنظومة مادة طبيعية تعرف باسم العكبر أو البروبوليس (Propolis)، وهي مادة راتنجية تجمعها العاملات من الأشجار والنباتات وتمزجها بمواد أخرى لتستخدمها داخل الخلية.
ماذا تفعل النحلة عندما تواجه الفطريات؟
بدأت القصة العلمية تصبح أكثر إثارة عندما لاحظ الباحثون أن مستعمرات نحل العسل التي تعرضت لفطر ممرض يسمى Ascosphaera apis، وهو الفطر المسؤول عن مرض يُعرف باسم chalkbrood الذي يصيب يرقات النحل، زادت من نشاطها في جمع الراتنجات النباتية.
وفي دراسة منشورة في مجلة PLOS ONE، وجد الباحثون أن معدل جمع الراتنج ارتفع بعد تعريض المستعمرات لهذا الفطر، كما أن المستعمرات التي كانت غنية بالراتنج شهدت انخفاضًا في شدة الإصابة الفطرية.
ولهذا طرح الباحثون احتمال أن يكون هذا السلوك مثالًا على التداوي الذاتي على مستوى المستعمرة.
واللافت هنا أن النحلة لا تتناول الراتنج بالضرورة كما يتناول الإنسان دواءً. فهي تجمعه من النباتات ثم تعيده إلى الخلية، حيث تستخدمه في تغطية الأسطح والشقوق وبعض أجزاء البيئة الداخلية للمستعمرة. وهكذا يصبح العلاج، إن صح وصفه كذلك، جماعيًا أكثر منه فرديًا.
العكبر… صيدلية النحل الطبيعية
العكبر مادة لزجة تنتج أساسًا من راتنجات نباتية تجمعها النحلات من براعم الأشجار والأغصان والقلف، ثم تستخدمها داخل الخلية. وقد وجد العلماء أن للراتنجات والعكبر خصائص مضادة لعدد من الكائنات الدقيقة، ولهذا فإن وجودها داخل الخلية يمكن أن يشكل جزءًا من خط الدفاع الطبيعي للمستعمرة.
وتقوم النحلات باستخدام العكبر لسد الشقوق وتغطية أجزاء من الجدران الداخلية، كما يمكن أن يساعد ما يسمى «غلاف العكبر» في تقليل الحمل الميكروبي داخل الخلية.
وقد أظهرت دراسة منشورة عام 2024 أن إعادة توفير بيئة تساعد النحل على جمع العكبر يمكن أن تعزز بعض مظاهر المناعة الاجتماعية في المستعمرات.
هل النحل «يعرف» أنه مريض؟
هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة. العلماء لا يستطيعون القول إن النحلة تمتلك مفهومًا للمرض أو العلاج كما يفهمه الإنسان. ولذلك فإن تعبير «التداوي الذاتي» يستخدم لوصف تغير سلوكي يمكن أن يؤدي إلى تقليل تأثير المرض، وليس للإشارة إلى وعي طبي مشابه للوعي البشري.
والدليل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن جمع الراتنجات يمكن أن يتغير عندما تواجه المستعمرة تهديدًا فطريًا.
وهذا يعني أن سلوك البحث عن المواد النباتية قد يكون جزءًا من استجابة دفاعية متطورة عبر الانتخاب الطبيعي.
لكن المفاجأة: ليس كل مرض يجعل النحل يتداوى
البحث العلمي يقدم صورة أكثر دقة من العنوان المثير. ففي تجربة أخرى دُرست فيها إمكانية استخدام العكبر ضد طفيلي Nosema ceranae، وجد الباحثون أن مستخلص العكبر استطاع في المختبر تقليل مستوى الإصابة وإطالة عمر بعض النحل المصاب، لكن النحل المصاب لم يُظهر تفضيلًا واضحًا لاستهلاك غذاء يحتوي على العكبر مقارنة بغير المصاب.
ولذلك لم تؤكد الدراسة أن النحل يستخدم العكبر كدواء ذاتي فردي في هذه الحالة.
وهذه النتيجة مهمة لأنها تذكرنا بأن الحديث عن «النحل الذي يعالج نفسه» ليس قاعدة تنطبق على جميع الأمراض، بل هو فرضية مدعومة بأدلة في بعض الظروف، وما زالت موضع دراسة في ظروف أخرى.
من الفرد إلى المستعمرة
أحد أكثر الجوانب إثارة في هذه الظاهرة أن «المريض» في عالم النحل قد لا يكون فردًا واحدًا فقط. فالمستعمرة تعمل كوحدة اجتماعية مترابطة، وأي مرض يصيب جزءًا منها يمكن أن يتحول إلى خطر على الجميع.
ولهذا طوّر النحل مجموعة من السلوكيات التي يصفها العلماء بالمناعة الاجتماعية، مثل تنظيف الخلية، والتعامل مع الأفراد المصابين أو الميتين، واستخدام العكبر والراتنجات، وهي كلها وسائل يمكن أن تقلل فرص انتشار مسببات الأمراض داخل المجتمع.
وقد وجد بحث آخر أن العكبر يمكن أن يعمل أيضًا كوسيلة طبيعية لمواجهة طفيلي Varroa destructor، أحد أهم التهديدات التي تواجه نحل العسل، إذ أظهرت الدراسة أن النحل يستخدم العكبر في مناطق من الخلية يمكن أن تؤثر في الطفيلي.
ماذا يمكن أن نتعلم من النحل؟
تكشف هذه الأبحاث أن عالم الحشرات أكثر تعقيدًا مما قد يبدو لنا. فالنحلة التي نراها تجمع الرحيق أو حبوب اللقاح قد تقوم في أوقات أخرى بجمع مواد نباتية تؤدي وظيفة دفاعية للمستعمرة.
والأكثر إثارة أن هذه المواد ليست أدوية مصنعة في مختبر، بل مركبات تنتجها النباتات نفسها كجزء من دفاعها الطبيعي، ثم يستفيد منها النحل بطريقة ذكية في حماية مستعمرته.
وقد تفتح دراسة هذه السلوكيات الباب أمام فهم أفضل لما يسمى الطب السلوكي أو التداوي الذاتي في الحيوانات، كما يمكن أن تساعد في تطوير وسائل طبيعية لتحسين صحة مستعمرات النحل، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجهها هذه الحشرات من الطفيليات والأمراض وتغير البيئة.
النحلة… طبيبة الخلية؟
ربما يكون من المبالغة القول إن النحلة «تصف لنفسها دواءً»، لكن الأدلة العلمية تجعل الفكرة أكثر إثارة مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالمستعمرة تستطيع تغيير سلوكها عند مواجهة بعض مسببات المرض، وزيادة جمع الراتنجات، واستخدام العكبر كجزء من دفاعها الجماعي.
وهكذا تبدو خلية النحل وكأنها نظام صحي متكامل؛ فكل نحلة تؤدي دورًا، والراتنجات تتحول إلى حاجز دفاعي، والسلوك الجماعي يصبح خطًا من خطوط المناعة، والطبيعة نفسها توفر المواد الخام لهذه «الصيدلية».
وربما تكون الرسالة الأجمل في هذه القصة أن الطب ليس دائمًا دواءً يُتناول، فقد يكون أحيانًا سلوكًا جماعيًا تطوّر عبر ملايين السنين لحماية الحياة.