قانون الانتظام المالي: بين ضرورة المعالجة وخطر تحميل المودعين كلفة الانهيار

  الصحافي الاقتصادي

 الاستاذ خالد أبو شقرا

مجلة Opine DIGESTالالكترونية 


بحسب الصحافي الاقتصادي الاستاذ خالد أبو شقرا: 

بعد مرور أكثر من ست سنوات على الانهيار المالي والنقدي في لبنان، بات من الواضح أننا وصلنا إلى مرحلة لا يمكن فيها الاستمرار من دون إطار قانوني يعالج الفجوة المالية، أو ما يُعرف بمصطلح «الانتظام المالي واسترداد الودائع».

من حيث المبدأ، إن وجود قانون لمعالجة هذه المرحلة، على الرغم من كل الملاحظات عليه، يبقى أفضل من غيابه الكامل. 

إلا أن هذا لا يعني القبول به بصيغته الحالية، خصوصًا أنه أصبح اليوم في عهدة المجلس النيابي، ما يفرض على النواب، بصفتهم السلطة التشريعية، مسؤولية دراسته بعمق وإدخال التعديلات الجوهرية اللازمة عليه قبل إقراره.

وينطلق أبو شقرا من جملة إشكاليات أساسية، في مقدّمها الودائع بالليرة اللبنانية، التي تُقدّر قيمتها الاسمية بنحو 49 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل ما بين 60 و65 ألف مليار ليرة لبنانية، والتي تراجعت قيمتها الفعلية اليوم لتقارب 800 مليون دولار فقط، ما يعني عملياً شطب القسم الأكبر من هذه الودائع.

كما يلفت إلى فئة حملة الأسهم التفضيلية، وهي شريحة واسعة من المودعين الذين وُظّفت مدّخراتهم في المصارف مقابل أسهم تفضيلية بعائد سنوي ثابت يقارب 7%. 

هذه الأسهم، وبحكم طبيعتها المحاسبية، لا تُسجَّل كالتزامات مباشرة على المصارف، ما جعل أصحابها في موقع بالغ الظلم، إذ تُقدَّر خسائرهم بمئات ملايين الدولارات، وهم عملياً من آخر الفئات التي يُفترض أن تحصل على أي حقوق.

ولا يقلّ خطورة عن ذلك وضع صناديق التقاعد والنقابات المهنية الحرة، كنقابات المحامين والأطباء والمهندسين والمعلمين والصيادلة، حيث تُقدَّر ودائعها في المصارف بنحو 100 مليار دولار أميركي. 

هذه الفئات، بحسب أبو شقرا، لا يمكن التعامل معها بالمنطق نفسه المعتمد في إعادة الودائع الفردية، لما لذلك من تداعيات اجتماعية ومهنية عميقة.

وتبرز إشكالية إضافية تتعلق بمصادر تأمين السيولة:

من أين ستأتي الأموال اللازمة لتعويض المودعين؟ 

وهل بعد مرور 10 أو 15 أو حتى 20 سنة، وهي آجال السندات التي ستُمنح لمن تفوق ودائعهم 100 ألف دولار، وهل ستبقى المصارف قادرة على الإيفاء بالتزاماتها؟ أم أننا سنُدفع في نهاية المطاف إلى تسييل جزء من احتياطي الذهب، علماً أن هذه السندات مضمونة من مصرف لبنان.

ويشير أبو شقرا إلى أن مشروع القانون، وإن كان يضع إطاراً نظرياً لتوزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، إلا أنه يطرح سيناريوهات متناقضة، أبرزها ما نُقل عن حاكم مصرف لبنان لجهة مطالبة الدولة بمبالغ تفوق بثلاثة أضعاف الأرقام المتداولة، إذ يجري الحديث عن 50 مليار دولار بدل 16 ملياراً. 

وهو رقم ضخم يطرح سؤالاً جوهرياً:

هل سيتم تأمينه عبر استعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج والمشبوهة بعمليات تبييض أموال؟ أم عبر فرض ضرائب جديدة ستكون نتائجها كارثية على الاقتصاد على المديين المتوسط والبعيد؟

وبحسب أبو شقرا، هناك سلسلة تحسينات أساسية لا بد من إدخالها على القانون ليصبح قابلاً للتطبيق، عادلاً وشفافاً. 

إلا أن جوهر المسألة لا يكمن فقط في النصوص، بل في المحاسبة.فبدون محاسبة فعلية وجدية، لا عدالة ولا شفافية. 

وفي غياب العدالة، سيتحمّل المودعون وحدهم الخسائر، سواء بالليرة اللبنانية أو بالدولار الأميركي.

ويختم أبو شقرا بالتأكيد على أن المودع قد يكون مستعداً لتحمّل جزء من الخسارة، إذا شعر أن هناك عدالة حقيقية، وأن كل من استفاد خلال سنوات الأزمة — من تحويلات إلى الخارج، أو هدر، أو فساد — سيُحاسَب ويُلاحَق، وتُستعاد الأموال المنهوبة، ليشعر اللبنانيون أن العدالة شاملة لا انتقائية، وأن الخسائر لم تُفرض فقط على الحلقة الأضعف.

@جميع الحقوق محفوظة