قصة "وعد بين الضباب" -ج13- للكاتبة لينا صياغة

الكاتبة لينا صياغة

في اليوم التالي، جلست نورا إلى والدها، وقالت بصوتٍ امتزج فيه الحياء بالخوف:
“يا أبي… أخشى الابتعاد عنكم. إن رضي أن يستقر في بلدتنا، فأنا أقبل الزواج منه.”
لم يطل الانتظار. وحين وصل ردُّ الموافقة إلى الشاب الوسيم، رفعت، أسرع يحمل البشرى إلى أهله. وما هي إلا أيام حتى أُقيمت مراسم الزواج، وعاد الفرح يطرق باب بيت العم حسن من جديد، بعد أن غاب عنه طويلًا.
بدأت نورا حياةً جديدة، عاشت خلالها خمس سنوات بدت كأنها حلم جميل. زوجٌ أحبها بصدق، وأطفالٌ ملأوا البيت ضحكًا، ورجلٌ عرف قيمة العمل، فأخلص له حتى صار رزقه وفيرًا، ونعمت أسرته بعيشٍ كريم.
وكان أكثر ما يطمئن قلبها أنها بقيت في بلدتها، بين أهلها، وفي المكان نفسه الذي أراد لها بعض الناس أن تعيش فيه ذليلةً ومنكسرة، فإذا بها تقف شامخةً، تحيطها المحبة والسكينة.
أما ابنها كريم، فقد عاش إلى جوارها مطمئن النفس، ينعم بدفء الأسرة التي استعادت توازنها بعد سنواتٍ من العناء.
وفي ليلةٍ باردة، قطع سكون المنزل طَرْقٌ على الباب. كان الزائر شقيق رفعت الأكبر، يوسف، يحمل بين يديه عرضًا مغريًا للعمل في إحدى دول الخليج العربية. جلس يحدثه طويلًا عن الفرصة التي قد تغيّر مستقبل العائلة، وعن الدخل الكبير الذي سيوفر لهم حياةً أكثر رخاءً.
تردد رفعت كثيرًا. فما كان يسهل عليه أن يبتعد عن زوجته وأطفاله. لكن فكرة المستقبل، ومع اقتراب ولادة طفله الثالث، أخذت تكبر في داخله. وأخيرًا حسم أمره، مقتنعًا بأن سنواتٍ قليلة من الغربة قد تمنح أسرته ما يستحقونه من أمنٍ واستقرار.
وبعد شهر، ودّعهم وسافر، تاركًا قلبه بينهم، وحاملًا أحلامهم معه إلى بلاد الاغتراب.
توالت الأيام، وانتهى مشروعه الأول، فعُرض عليه مشروع آخر. لكنه ابتسم وقال:
“سأعود أولًا إلى لبنان… أشتاق إلى عائلتي، ثم أرجع.”
اشترى سيارةً فاخرة، ووضع في جيبه مبلغًا كبيرًا من المال، كان يُعد ثروةً بمقاييس تلك الأيام. ثم عاد إلى وطنه دون أن يخبر أحدًا بموعد وصوله.
وحين فتح باب المنزل، كانت المفاجأة أكبر من أن تصفها الكلمات. ارتمى أطفاله في حضنه، واغرورقت عينا نورا بالدموع، بينما بدا البيت كله وكأنه يرقص فرحًا بعودة صاحبه.
مضت ثلاثة أشهر بين أسرته كأنها ومضة من السعادة. ثم عاد إلى الخليج من جديد، وقد اتخذ قرارًا نهائيًا: سيعمل سنواتٍ قليلة أخرى، ويبني بيتًا كبيرًا يجمع أسرته في بلدته الرملية، ليعود بعدها نهائيًا.
لكن القدر كان يخبئ صفحةً أخرى…
في يوم جمعة من شهر آذار، وبينما كان منشغلًا في عمله يشذب أحد الأحجار، انطلقت شظية حادة بسرعة خاطفة، لتستقر في عينه.
في لحظةٍ واحدة، انطفأ نصف الضوء في حياته…
وفقد رفعت إحدى عينيه.
يتبع