حقوق الإنسان: تاريخ الفكرة ومفارقات الممارسة - أ. إيمان  أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

أين يولد الحق؟ هل هو معطى أخلاقي سابق على التاريخ، أم أنه نتاج لتطور المجتمعات وتحول بنياتها الاقتصادية والسياسية؟  هذا السؤال رغم بساطته الظاهرة، يفتح إشكالية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان والنظام الذي يضبط وجوده. فالحق لا يظهر بوصفه فكرة مجردة مستقلة، بل يتشكل داخل سياقات تاريخية محددة، تتداخل فيها الحاجة بالسلطة، والمعرفة بالبنية الاجتماعية. في المجتمعات القديمة، لم يكن هناك نظام حقوق بالمعنى الدقيق، بل نظام كوني سياسي مغلق، تتداخل فيه السلطة بالدين  وبالطبيعة. 

في هذا النظام، لم يكن الإنسان فرداً مستقلاًّ، بل جزءاً من كلٍّ عضوي، مثلاً قبيلة، مدينة، أو أمبراطورية. 

لذلك لم يكن الحق صفة للإنسان بقدر ما كان موقعاً داخل تراتبية. 

العدالة هنا  لم  تعنِ المساواة، بل الإنسجام مع النظام القائم، وكأن الحق هو الثبات في المكان لا القدرة على تجاوزه. (أي أن الحق كان يُفهَم كتثبيت للنظام القائم، لا كوسيلة لتغييره.) مع الديانات التوحيدية، حدث إنكسار جزئي في هذا النظام. 

ظهر توتّر بين قانون السماء وقانون الأرض، ولم يعد الحاكم مصدراً مطلقاً للشرعية، بل صار نظريّاً، خاضعاً لمعيار أعلى. 

هنا نشأ نظام أخلاقي متعالٍ يمنج الإنسان قيمة من خارج البنية السياسية، لكن هذه القيمة بقيت أسيرة التأويل، تتسع وتضيق بحسب من يملك سلطة تفسيرها. في العصور الوسيطة، تماهت السلطة السياسية مع البنية الدينية في نظام إقطاعي- لاهوتي صارم، أعاد احتواء هذا التوتّر. 

ومع ذلك، بدأت الشقوق تُظهر إمتيازات تُنْتَزَع، لا تُمْنَح. كانت المحاولات الأولى لتقييد السلطة إيذاناً بتحوّل خفي، حيث بدأ الحق يتحرّك كقوّة تفاوض، لا كمجرد مبدأ أخلاقي. 

ثمَّ جاءت الحداثة بوصفها قطيعة عميقة، لا مع الماضي فحسب، بل مع طريقة فهم الإنسان لنفسه. 

انتقلنا من نظام هرمي الى نظام تعاقدي- عقلاني، حيث أصبح الفرد سابقاً على المجتمع، والعقد هو ما يؤسس السلطة. 

هنا ولدت فكرة الحقوق الطبيعية، لا بوصفها هبة، بل كمعطى أصيل في الإنسان. غير أن هذه الحقوق نشأت في بيئة اقتصادية جديدة، رافقت صعود الرأسمالية، فارتبطت بحرية التملك والعمل. 

وبدأت منذ البداية تحمل في داخلها بذرة التفاوت. في الثورات الكبرى ، تحوّلت هذه الأفكار الى إعلان سياسي، وتأسست الدولة القانونية التي تساوي بين المواطنين أمام النص القانوني، لكنها تتركهم متفاوتين في الواقع. 

هنا نشأ التوتر الذي سيلازم الحداثة: مساواة شكلية تقابلها لا مساواة فعلية، وحقوق تُعلِن أكثر مما تمارس. 

ومع القرن التاسع عشر، تعمَّق هذا التوتر مع صعود النقد الاجتماعي، حيث لم يَعٍد السؤال عن ماهية الحقوق، بل عن شروط تحقُّقِها. ظهر أن الحقّ، إذا لم يُدعَم ببنية اقتصادية عادلة، قد يتحوَّل الى شكلٍ فارغ، وأن الحريّة القانونية لا تكفي إذا بقيَ الإنسان أسير الحاجة. 

في القرن العشرين، وبعد الكوارث الكبرى، جرت محاولة لتجاوزهذه التناقضات عبر تدويل الحقوق، وتحويلها الى معايير كونية. بدا وكأن الإنسانية توصلت الى حد أدنى مشترك من القيم، يفترض أن يعلو على الدول والأنظمة ،وكأنها قالت: (مهما اختلفنا، هناك أشياء لا يجوز لأي سلطة أن تنتهكها، لأنها تخص الإنسان بذاته، لا لكونه تابعاً للدولة). 

لكن، هذا التدويل حمل مفارقة جديدة: فقد أصبح الحق أكثر حضوراً في النصوص، وأكثر هشاشة في التطبيق، لأن العالم الذي أقرَّه لم يكن متكافئاً في القوّة ولا في الإرادة. وفي عالم اليوم، ندخل طوراً أكثر تعقيداً، حيث لم تَعُد السلطة محصورة في الدولة، بل توزَّعت بين شبكات إقتصادية وتكنولوجية عابرة للحدود. 

لم يعُد الإنسان مجرّد مواطن، بل صار أيضاً مستخدِماَ وبياناً، ولم تَعُد الحريّة تُقْمَع فقط، بل قد تُعاد صياغتها عبر الخوارزميات، ويُعاد توجيهها دون أن تشعر بذاتها. هنا ينتقل الحق من حماية الجسد الى حماية الوعي، ومن المجال السياسي الى المجال المعرفي. 

إقتصادياً، أعاد النظام العالمي إنتاج التفاوت بشكل  أعمق، فجعل من بعض الحقوق، خصوصاً الاجتماعية منها، أقرب الى الإمتياز منها الى الضمان . وبيئياً، ظهر أن نظام الحقوق القائم على الفرد عاجز عن مواجهة تهديدات تمسّ شروط الحياة ذاتها، فبدأت فكرة الحق تتسع لتشمل المستقبل ، لا الحاضر فقط. 

غير أن أكثر ما يميِّز هذه المرحلة هو مفارقة دقيقة وخطيرة في آن معاً: فبقدر ما أصبحت حقوق الإنسان لغة كونية مشتركة، ازدادت قابليتها لأن تُستعمل خارج مقصدها الأصلي. 

لم تعد فقط أداة للدفاع عن الإنسان، بل يُمكن في بعض السياقات أن تتحوّل الى أداة ضمن صراعات المصالح.  في النظام الدولي، لا تتحرك المنظمات التي ترفع شعار الحقوق في فراغ أخلاقي خالص، بل داخل شبكات من التمويل والتوازنات السياسية، وهذا لا ينفي قيمة عملها، لكنه يكشف أن خطاب الحقوق قد ينتمي أحياناً، فيُبرَز هنا ويُغَّض الطرف عنه هناك، وفق أولويات لا تُعلَن دائماً. 

وهكذا، لا يعود السؤال فقط: أين يُنتهَك الحق؟ بل أيضا: لماذا يُرى هذا الإنتهاك دون غيره؟ وعلى المستوى المحلي، قد يتحوّل الحق الى رأس مال رمزي، تستثمره بعض الجهات أو الأفراد لتعزيز مواقعهم أو الإكتساب شرعية أخلاقية سريعة. في هذه الحالة، لا يُلغى الحق، بل يُعاد توظيفه، فينزاح من كونه قيمة كونية الى أداة ضمن استراتيجيات خاصة في اللعبة الدولية. 

لكن هذه الظاهرة لا تُبطِل فكرة الحقوق، بل تكشِف طبيعتها الحية والهشة في أن معاً.. فالحق، لأنه لغة عامة، يظل مفتوحاً لكل من يتكلم باسمه، صادقاً كان أم مستثمراً. ومن هنا يصبِح الوعي النقدي جزءاً من ممارسة الحق ذاته: أن ندافع عنه، لا فقط ضد من ينتهكه، بل أيضاً ضد من يُفرغه من معناه. 

وهكذا إذا عدنا الى السؤال الأول، يتضح أن الحق لا يولد في لحظة صافية، ولا يعيش خارج التاريخ، بل يتشكّل في قلب النظم التي تحكم الإنسان، ويقاومها في آن واحد. 

إنه ليس حقيقة مكتملة، بل توتر دائم بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وربما لهذا السبب، فإن رحلة الحقوق الإنسانية لا تنتهي، لأنها في جوهرها ليست سوى الوجه الآخر لرحلة الإنسان في سعيه الدائم الى أن يحدّ من القوى التي يصنعها، دون أن يفقد إنسانيته في خضمها. 

المراجع: 1-  عصر الحقوق – نوربرتو بوبيو- ترجمة هالة شكرالله –  المنظمة العربية للترجمة – بيروت – لبنان 2-  أصول الشمولية – هانا أرندت – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان3- العقل السياسي العربي – محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – لبنان 4- العقل السياسي العربي- محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان 5- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة./ - مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة (العراق القديم)- طه باقر -  دار الشؤون الثقافية- بغداد - العراق -