دينا أبي صعب: من عيتات إلى قبة الأمم المتحدة… صحافة المقاومة الهادئة


فاروق غانم خداج كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

حين تتحوّل الصحافة من نقل الخبر إلى

 اختبارٍ للضمير في قلب المؤسسات الدولية


كيف تتحوّل صحافية لبنانية من قرية عيتات في جبل لبنان إلى صوتٍ حاضر في قبة الأمم المتحدة في جنيف؟ لا يتعلق الأمر بمسار مهني تقليدي، بل برحلة وعي تتقاطع فيها الكلمة مع الضمير، ويتحوّل فيها نقل الخبر إلى اختبار يومي للمعنى في عالم يزداد ضجيجًا وتبهت فيه الدلالات.

تجربة دينا أبي صعب لا تُختزل في سيرة مهنية، بل تُقرأ كتأمل في تلك المسافة الدقيقة الفاصلة بين الحدث ووعي من يرويه. 

في هذا الحيّز الشفاف بين الوقائع وتأويلها، تتجاوز الصحافة كونها مهنة لتصبح مسؤولية معرفية وأخلاقية في آنٍ واحد.

أن تصل صحافية لبنانية إلى منصّة الأمم المتحدة في جنيف ليس تفصيلًا فرديًا، بل سؤال أوسع حول شروط الحضور في فضاء دولي مكتظ بالخطابات. 

هنا، لا تُقاس الصحافة بسرعة التغطية، بل بقدرتها على الإصغاء لما لا يُقال، وعلى التقاط ما يتوارى خلف اللغة الرسمية.

لم يكن عملها كمراسلة معتمدة لدى الأمم المتحدة وظيفة تقنية أو بروتوكولًا إعلاميًا، بل تجربة يومية داخل قلب القضايا الإنسانية الأكثر تعقيدًا. 

من حقوقٍ مهدورة إلى أزمات ممتدة، تتحوّل المتابعة إلى قراءة طبقات الواقع، حيث لا تكفي الوقائع كما تُعرض، بل كما ينبغي فهمها.تتميّز تغطياتها بنبرة هادئة لا تلجأ إلى الانفعال، لكنها تقوم على وعي نقدي واضح. لا انجراف وراء العناوين السريعة، ولا استسلام لإغراء اللحظة، بل التزام بما يمكن تسميته بأخلاقيات المسافة: الاقتراب من الحدث من دون فقدان القدرة على رؤيته بوضوح. 

وفي زمن استهلاك الأخبار قبل فهمها، تصبح هذه المقاربة مقاومة هادئة للاختزال.في قصر الأمم بجنيف، حيث تمتد الممرات الرخامية في صمت طويل، وتتقاطع اللغات كما تتقاطع مصالح العالم، تتحوّل الصحافة إلى اختبار دائم للمعنى. 

لا يكفي الحضور، بل قراءة ما وراءه. بين الوفود ومراسلي الوكالات، تتشكّل صورة العالم في لحظتها الأكثر تعقيدًا، وتتحرّك الصحافية كعين تحاول أن تلتقط ما لا تلتقطه العدسة: نبرة مترددة، إيماءة عابرة، أو صمتًا دبلوماسيًا محمّلًا بالدلالات.

وفي إحدى الجلسات المفتوحة حول أوضاع اللاجئين، وبعد عرض تقرير رسمي اكتفى بالأرقام، جاء سؤالها ليكسر هذا الإيقاع البارد: عن العائلات التي غابت عن البيانات، وعن الوجوه التي تذوب خلف الإحصاءات. 

لم يكن السؤال مواجهة، بل إعادة إدخال الإنسان إلى لغة تميل نحو التجريد. هنا تحديدًا تتجلى الصحافة بوصفها فعل استعادة للمعنى الإنساني داخل خطابٍ رسمي جامد.

تراكم حضورها في هذا الفضاء الدولي عبر سنوات من العمل المتواصل: مؤتمرات، مفاوضات، لقاءات مع صانعي القرار، ومتابعات دقيقة لتحولات السياسة العالمية، في سعي دائم إلى الحفاظ على جوهر الحقيقة وسط تضارب الروايات وتعدد التأويلات.

ويأتي انتخابها لاحقًا رئيسةً لتجمّع الصحافيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة ليمنح مسيرتها بُعدًا إضافيًا. 

فالموقع هنا لا يقتصر على بعد إداري، بل يعكس ثقة مهنية جماعية بكفاءة جمعت بين الاتزان والدور التمثيلي. 

في هذا التحول، لا يعود الصحافي ناقلًا للخبر، بل جزءًا من حماية شروط إنتاجه.تكمن أهمية هذا التعيين في دلالته الأوسع: صحافية لبنانية تنطلق من ذاكرة بلد مثقل بالتجارب، لتصل إلى موقع متقدم في قلب المنظومة الإعلامية الدولية، من دون أن تفقد لغتها الأولى: لغة الهدوء في مواجهة الفوضى، والدقة في مواجهة الضجيج.

ومن عيتات، بذاكرتها الجبلية الهادئة، إلى جنيف حيث تُرسم خرائط العالم وتُدار توازناته، تمتد مسيرة لا تقوم على الاستعراض، بل على تراكم بطيء يجعل من النجاح استمرارًا طبيعيًا لمسار طويل، لا لحظة منفصلة عنه.

تطرح هذه التجربة سؤالًا يتجاوز صاحبته: ماذا تبقى من الصحافة حين تتحوّل السرعة معيارًا، والانفعال بديلًا عن الفهم؟ في هذا السياق، تستعيد الكلمة معناها الأول بوصفها أداة للمعرفة، لا مجرد وسيط لنقل الحدث.

ومع انتقالها إلى موقع قيادي في هذا الفضاء الدولي، تتسع دائرة المسؤولية لتشمل الدفاع عن حرية الصحافة، وتحسين شروطها، وصون استقلاليتها في تقاطع الإعلام والسياسة. 

وهي مهام لا تُمارس بالشعارات، بل بالدقة، والاتزان، والقدرة على حماية الحقيقة من التشويه.

في البعد اللبناني لهذا الإنجاز، ثمة ما يشبه العزاء الهادئ: بلد يرزح تحت أزماته، لكنه لا يزال قادرًا على إنتاج نماذج تفتح نوافذ في جدران الانغلاق، وتؤكد أن الكفاءة ليست استثناءً، بل احتمالًا قائمًا رغم كل شيء.

ويبقى في هذه التجربة ما يتجاوز السيرة إلى الفكرة: أن الصحافة، حين تُمارس بصدق، لا تحتاج إلى ضجيج كي تُسمَع. 

والكلمة ليست مجرد أداة نقل، بل مسؤولية كاملة تجاه الإنسان، وإصرار على أن للوقائع معنى لا يكتمل إلا حين يُفهم.