في سواد الحروب:دراسة في بنية العنف وحدود المعنى الإنساني

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف


" الحرب هي الإنكسار الأسود في المسيرة البشرية، حيث تتحوّل الهويات والإنتماءات من جسور للتواصل الى خنادق للموت. إنها شيطان مجنون يسكن الأرض، ويحوِّل أيامها الي ليل طويل من دون فجر. إنها نكبة تفترس الأحرار وتحوّلهم الى جياع، وتدمّر المدن العامرة وترميها في قاعٍ صفصف، ويمتد  دمارها ليمزِّق القلوب والعقول والأجساد."

 لم تكن الحروب يوماً مجرد أحداث عابرة في تاريخ الإنسانية، بل شكّلت أحد أكثر تجلياته كثافةًً والتباساً، حتى أصبحت وكأنها جزء من نسيجه العميق، لا مجرّدَ  حدثٍ طارئٍ عليه. 

ومع ذلك، فإن هذا الحضور المستمر لا يمنحها طابع الضرورة أو الشرعية، بل يدفع الى مساءلتها بوصفها ظاهرة تكشف حدود الإنسان ذاته. 

ومن هنا يكتسب توصيف الحروب ب"الأحداث السوداء" دلالته، لا بوصفه تعبيراً انفعالياً، بل باعتباره حكماً يرتكز على إدراك شامل لحجم الدمار الذي تحدثه ، والإنهيار الإنساني الذي يصاحبها. 

فالسواد هنا لا يشير فقط الى ما تخلّفه الحروب من موت وخراب، بل الى ما تكشفه من قابلية الإنسان لأن يفرِّغ وجوده من معناه حين ينخرط في منطق الإقصاء والعنف. 

قد سعت النظريات السياسية والفلسفية الى تفسير هذه الظاهرة من زوايا متعددة، تعكس كلّ منها جانباً من تعقيدها. ففي إطار الواقعية السياسية، يظهر الصراع بوصفه نتيجة بنيوية لنظام دولي يقوم على الفوضى وغياب سلطة عليا، وهو تصور يجد جذوره في فلسفة " توماس هوبز"، حيث يغدو العنف احتمالاً دائما ما لا تضبطه قوة قاهرة. 

غير أن هذا التفسير على الرغم من قدرته على توصيف جانب من الواقع، يظلّ قاصراً من حيث أنه يقترب من تبرير الحرب، إذ يفسِّرها بوصفها نتيجة طبيعية دون أن يفتح أفقاً حقيقياً لتجاوزها. 

في المقابل، تطرح الليبرالية تصوراً أكثر تفاؤلاً يقوم على إمكانية الحد من النزاعات عبر المؤسسات والتعاون الدولي، كما يظهر في رؤية  "إيمانويل كانط" للسلام الدائم، حيث يربط السلام بوجود نظام قانوني عالمي ودول ذات نظم ديمقراطية. إلاّ أن هذا التصور بدوره لا يخلو من خلل ، إذ يفترض قدراً من العقلانية والتكافؤ لا يتوافر دائما في الواقع الدولي، خاصة في ظل عدم تكافؤ موازين القوة. 

أما المقاربة اللبنائية، فتنقل التحليل الى مستوى أعمق، إذ ترى أن الحروب لا تُفهم فقط من خلال المصالح المادية، بل من خلال الهويات والتصورات التي يبنيها الفاعلون عن أنفسهم وعن غيرهم، بحيث يصبح العدو نتاجاً لعملية بناء ذهني إجتماعي بقدر ما هو معطى موضوعي. 

وبهذا المعنى لا تكون الحرب مجرد صدام بين قوى، بل نتيجة طريقة معينة من إدراك الآخر. 

إن الجمع بين هذه المقاربات يتيح فهما أكثر تركيباً للحروب، بوصفها نتاج تفاعل بين بنية دولية فوضوية، ومصالح مادية، وتمثلات ذهنية، وهو ما يخرج التحليل من التفسير الأحادي الى أفق أكثر شمولا. 

غير أن تفسير الحروب لا يكفي لفهم دلالتها، إذ يظل توصيفها ب"الأحداث السوداء" مرتبطاً بمستوى أعمق من التقييم الأخلاقي والوجودي. 

فمن الناحية الأخلاقية، تمثّل الحرب انتهاكاً جذرياً لمبدأ أساسي يتمثّل في اعتبار الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة، وهو المبدأ الذي دافع عنه " إيمانويل كانط". ففي سياق الحرب، يُختزل الإنسان الى رقم في معادلة القوة، أو الى أداة لتحقيق أهداف تتجاوز وجوده الفردي، ما يؤدي الى تفكيك القيمة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع الإنساني . 

ومن منظور سوسيولوجي، يبيّن "ماكس فيبر" أن الأفعال الإنسانية، حتى في أكثر صورها عنفاً، لا تكون عشوائية، بل تُفهم من خلال المعاني التي يمنحها الفاعلون لها. 

وهكذا تُخاض الحروب باسم الشرف أو الوطن أو العدالة أو الأمن، ما يجعل العنف يبدو في وعي الفاعلين فعلاً مشروعاً لا انحرافا. وهنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الحرب، إذ لا تكتفي بإنتاج العنف، بل تعيد تعريفه وتمنحه شرعية داخل منظومة رمزية معينة. 

وعند الإنتقال الى تحليل البنى العميقة التي تُنتِج الحروب، يتضح أنها لا تعود الى سبب واحد، بل الى تفاعل معقد بين عناصر متعددة. 

فمن الناحية السياسية تُستخدم الحرب كأداة لإعادة تشكيل موازين القوة أو لتثبيت الأنظمة، وهو ما عبّر عنه  الجنرال البروسي " كارل فون كلاوزفيتز" حين اعتبرها استمراراً للسياسة بوسائل أخرى. 

ومن الناحية الاقتصادية يُشكِّل التفاوت والصراع على الموارد والثروات الطبيعية، أرضية خصبة للنزاعات، لا بوصفهما أسباباً مباشرة، بل بوصفهما شروطاً تجعل الحرب ممكنة ومبررة. 

أما على المستوى الهوياتي، فإن الإنتماءات الجينية أو القومية التي يفتخر بها البشر ، حين تتحوّل الى أدوات إقصاء، تُسهِم في تحويل الإختلاف الى صراع وجودي. 

ولا تعمل هذه العوامل في عزلة، عن بعضها البعض، بل تتداخل لتُنْتِج بنية مركبة تجعل الحرب نتيجة لتراكمات لا لقرار لحظي.  

وتظهر هذه البنية بوضوح في الحرب العالمية الثانية، التي تعطي مثالاً مكثّفاً على تفاعل العوامل السياسية والإقتصادية والأيديولوجية. 

فقد أسهم صعود الأنظمة الشمولية، الى جانب تداعيات الأزمات الاقتصادية، في خلق بيئة قابلة للإنفجار، بينما لعبت الأيديولوجيات الإقصائية دوراً في إعادة تعريف الآخر بوصفه تهديداً وجودياً. 

ولم يقتصر أثر الحرب على حجم الدمار الذي خلَّفته، بل امتدَّ الى انهيار واسع في القيم والمعايير الإنسانية، ما يجعل توصيفها ك"حدث أسود" توصيفاً دقيقاً لا مبالغة فيه. 

ومع ذلك فإن الإعتراف بعمق هذه الظاهرة لا يعني التسليم بحتميتها. 

فالحروب رغم تكرارها، تظلّ نتاج شروط يمكن تحليلها وتفكيكها. وفي هذا السياق، تُمثِّل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، محاولة لتنظيم الصراع والحد من انزلاقه الى العنف، رغم ما تعكسه من حدود الإرادة الدولية. 

كما تُسهم النظم الديمقراطية في تقليل احتمالات الحرب، دون أن تلغيها، في حين تظل العدالة الاقتصادية شرطاً ضرورياً لتخفيف جذور التوتر. 

غير أن العامل الأكثر عمقاً يظلُّ مرتبطاً بتحوّل في الوعي، أي بإعادة بناء علاقة الإنسان بالآخر خارج منطق الإقصاء، بحيث لا يعود الإختلاف مبرراً للصراع، بل إطاراً للتعدّد. 

في ضوء ذلك، يمكن القول أن الحروب تُعد "أحداثاً سوداء"  ليس فقط لأنها تُدمِّر الحياة، بل لأنها تكشف عن قابلية الإنسان لأن يفكك المعنى الذي يقوم عليه وجوده. 

ومع ذلك، فإن السواد لا يشير الى قدرٍ محتوم، بل الى حدود يمكن تجاوزها، شرط الإنتقال من إدانة الحرب الى فهمها، لأن ما يمكن فهمه لا يبقى بالضرورة مصيراً مفروضاً، بل يُصْبِح مجالاً للفعل والتغيير.


الهوامش: 1- اللفباثان- توماس هوبز- ترجمة حسن حنفي- بيروت- دار التنوي للطباعة والنشر. 2011 2-مشروع السلام الدائم- إيمانويل كانط -ترجمة عثمان أمين – القاهرة – دار النهضة العربية. 3- السلام والحرب بين الأمم – ريمون آرون-  باريس-  calman-levy  - 1962 4- الاقتصاد والمجتمع – ماكس فيبر – ترجمة  فؤاد زكريا – المنظمة العربية للترجمة – بيروت . 5- الإنسان والدولة والحرب – كينيت والتز – المركز العربي للأبحاث – الدوحة .