
عندما يتساءل الكثيرون عن الجهة أو الشخصية التي أنشأت الأمم المتحدة، فإن الإجابة لا تقتصر على اسم واحد، لأن المنظمة ولدت نتيجة مسار سياسي طويل ارتبط بالحرب العالمية الثانية وبالرغبة في منع تكرار الكوارث التي عاشها العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين.
كانت البداية غير المباشرة مع فشل عصبة الأمم، وهي المنظمة الدولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولى عام 1920 بهدف حفظ السلام العالمي.
غير أن عصبة الأمم عجزت عن منع التوسع العسكري لبعض الدول وعن الحيلولة دون اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، ما دفع قادة العالم إلى التفكير في إنشاء منظمة جديدة أكثر قوة وفعالية.
يُعتبر فرانكلين د. روزفلت الشخصية الأكثر ارتباطًا بولادة الأمم المتحدة. ففي خضم الحرب العالمية الثانية كان يؤمن بضرورة إنشاء هيئة دولية قادرة على حفظ الأمن العالمي بعد انتهاء الحرب. وقد استخدم للمرة الأولى تعبير "الأمم المتحدة" سنة 1942 لوصف الدول المتحالفة ضد دول المحور.
في أغسطس 1941 التقى روزفلت مع ونستون تشرشل على متن سفينة في المحيط الأطلسي، وأعلنا وثيقة عُرفت باسم الميثاق الأطلسي. وقد تضمنت هذه الوثيقة مبادئ مهمة مثل حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التوسع بالقوة، وتعزيز التعاون الدولي، وهي المبادئ التي أصبحت لاحقًا من ركائز الأمم المتحدة.
وفي الأول من يناير 1942 وقّعت 26 دولة على ما عُرف بـ إعلان الأمم المتحدة، وهو أول استخدام رسمي للمصطلح الذي اقترحه روزفلت.

وتعهدت الدول الموقعة بمواصلة الحرب ضد قوى المحور والعمل معًا لتحقيق السلام بعد انتهائها.
ومع اقتراب نهاية الحرب بدأت الدول الكبرى في رسم ملامح المنظمة الجديدة. ففي عام 1944 انعقد مؤتمر دومبارتون أوكس في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث اجتمع ممثلو الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين لوضع الهيكل الأساسي للمنظمة الجديدة.
وفي هذا المؤتمر ظهرت لأول مرة فكرة إنشاء مجلس أمن تكون له صلاحيات واسعة في حفظ السلم والأمن الدوليين.
بعد ذلك جاء مؤتمر يالطا الذي جمع روزفلت وتشرشل وجوزيف ستالين في شبه جزيرة القرم. وخلال هذا اللقاء تم الاتفاق على آلية التصويت داخل مجلس الأمن وعلى عقد مؤتمر دولي نهائي لتأسيس المنظمة.
وفي 25 أبريل 1945 افتُتح مؤتمر سان فرانسيسكو بحضور مندوبين من خمسين دولة. واستمرت المناقشات عدة أسابيع إلى أن تم التوصل إلى الصيغة النهائية لميثاق الأمم المتحدة الذي وُقّع في 26 يونيو 1945.
دخل الميثاق حيّز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، وهو التاريخ الذي يُحتفل به سنويًا باعتباره يوم الأمم المتحدة.
وكانت الدول الخمس الكبرى التي مُنحت العضوية الدائمة في مجلس الأمن هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين وفرنسا.
ومن الجدير بالذكر أن وفاة روزفلت في أبريل 1945 حالت دون رؤيته للمنظمة التي ساهم في وضع أسسها، إذ توفي قبل أشهر قليلة من الإعلان الرسمي عن قيام الأمم المتحدة.
ولهذا السبب يصفه كثير من المؤرخين بأنه "الأب الروحي للأمم المتحدة"، رغم أن تأسيسها كان نتاج تعاون عشرات الدول ومئات الدبلوماسيين والخبراء.
واليوم تضم الأمم المتحدة معظم دول العالم، وتعمل عبر مؤسسات متخصصة عديدة مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، لتبقى أكبر منظمة دولية أُنشئت بهدف الحفاظ على السلم والأمن وتعزيز التعاون بين الشعوب والدول.