
"بحث فلسفي نفسي إجتماعي"
ربما لا يكون أشدُّ ما يقيّد الإنسان تلك القوّة التي تفرض نفسها عليه من الخارج، بل تلك التي يستبطنها حتى يعجز عن رؤيتها، فيطيعها وهو يعتقد أنه يختار، أو يتمرّد عليها وهو يظنّ أنه تحرّر منها.
في العلاقات الزوجية، قد تتجلّى هذه المفارقة بوضوح، حين تعيش المرأة أسيرة تصوّرٍ لا تعرف مصدره، أو تستجيب لرغبة لا تفهم دوافعها، أو تنتقل من الخضوع الى السيطرة من دون أن تتخلّص من المنطق الذي جعل العلاقة في الأصل صراعاً على القوّة.
ويزداد احتمال الإلتباس عند المرأة، حين تفتقر الى التعليم والثقافة والخبرة التي تساعدها على فهم ذاتها، وإدراك حقوقها، والتمييز بين واجباتها الحقيقية والتوقعات التي فُرِضَت عليها، حتى صارت تبدو وكأنها جزء من طبيعتها.
فالمشكلة ليست في قلّة الشهادات وحدها، ولا في الإنتماء الى بيئة تقليدية بحدِّ ذاته، بل في عدم قدرة المرأة على مراجعة أفكارها الموروثة وفحصها، وفي عدم امتلاكها أدوات تسمح لها بأن تميّز بين ما تؤمن به عن اقتناع وما تكرِّرَه لأنها لم تعرِف عنه بديلاً.
ولا يعني ذلك أن المرأة غير المتعلمة تفتقر بالضرورة الى الحكمة، أو أن التعليم وحده يصنع شخصية واعية؛ فالنضج أوسع من التحصيل الدراسي، وقد يمتلك الإنسان خبرة حياتية عميقة من دون تعليم نظامي.
غير أن التعليم والثقافة يوسِّعان حين يقترنان بالتفكير النقدي والخبرة، قدرة الإنسان على فهم الخيارات المتاحة أمامه، وتقدير عواقبها، والتحرّر من الأفكار التي تحوَّلَت الى مسلمات لا تقبل النقاش. ولفهم بعض أنماط العلاقة الزوجية، يمكن اعتماد مفهومين تحليليين نعتقد أنهما يصلحان في هذا الموقع وهما: " الغريزة الحاكمة، والغريزة المحكومة".
ولا نقصِد بهما تصنيفاً علميّاً معتمداً في علم النفس، بل وصفاً لطريقة تَوزُّع القوّة والدوافع داخل العلاقة.
فالغريزة الحاكمة، وفق هذا الإستخدام، هي النزعة التي تستأثر بتوجيه السلوك وتفرض مطالبها على الطرف الآخر، سواء اتخذت صورة السيطرة أو التملّك أو الإصرار على إشباع الرغبة.
أمّا الغريزة المحكومة فهي النزعة التي تتراجع أمام قوّة مهيمنة، فتتنازل أو تكبت احتياجاتها أو تتكيَّف، أو تعتاد، أو تعتقد، بأن التنازل هو الطريقة الوحيد للحفاظ على العلاقة وتوابعها.
لكن المسألة لا تتعلَّق بمجرّد وجود الرغبات؛ فالحاجة الى الحب والتقدير والإنتماء والإستقلال جزء من الحياة الإنسانية.
إنما تبدأ المشكلة عندما تتحوَّل الرغبة الى قوّة لا يراجع الإنسان دوافعها، أو حين يفقد القدرة على تنظيمها وتقدير أثرها في نفسه وفي الآخرين. وتساعدنا هنا في فهم هذه المعادلة نظرية التحديد الذاتي التي طوَّرها عالما النفس ( إدوارد ديسي وريتشارد رايان)، إذ تبرز أهمية الإستقلال النفسي والكفاءة والشعور بالإنتماء في نمو الشخصية ودافعيتها ورفاهها النفسي.
وهي لا تفسِّر وحدها أنماط الزواج التي نناقشها، لكنها تتيح لنا فهماً مهمّاً للفارق بين علاقة تسمح للإنسان بأن يكون شريكاً في قرارات حياته، وعلاقة تضيق فيها مساحة اختياره حتى يفقد صلته في احتياجاته الخاصة.
في النمط الأول، تعيش المرأة خضوعها بوصفه واجباً طبيعياً، لا تنازلاً يحتاج الى مراجعة. وتعتبر أن الزوجة الصالحة هي التي ترضي زوجها، وتتحمل تقلباته، وتضع رغباته قبل رغباتها، وأن الأم المثالية هي التي تمنح أبناءها كلّ ما تستطيع، حتى لو كان الثمن إهمال صحتها واهتماماتها ومستقبلها.
وقد لا تشعر هذه المرأة بأنها مظلومة؛ لأنها تقيس قيمة دورها بمقدار ما تقدِّمه، لا بمدى التوازن بين ما تمنحه وما تحتاج إليه. وهنا ينبغي أن نميِّز بين التضحية التي تعبِّر عن المحبة، والتضحية التي تتحوَّل الى إلغاء الذات.
فالعطاء ليس ضعفاً، والأمومة ليست عبئاً ينبغي التخلص منه، والوفاء ليس شكلاً من أشكال الإستعباد. إنما يُصبِح العطاء مصدراً للإختلال حين يُفْتَرَض أنّه حقّ دائم للآخرين، وواجب دائم على المرأة.
وأيضا حين لا تجد المرأة لنفسها مساحة مشروعة للإحتياج أو الراحة أو الإختيار. وحين لا تعطي لنفسها الحق بذلك ، بل وقد تشعر بالذنب كلّما فكَّرت بنفسها، وتعتبر المطالبة بحقوقها تقصيراً في حق أسرتها.
ويقدِّم تحليل عالم الاجتماع ( بيار بورديو) للهيمنة الرمزية مدخلاً مهماً لفهم هذه الظاهرة. فقد درس كيف تستقرّ علاقات الهيمنة في الممارسات اليومية والتصورات المألوفة، حتى يبدو ما أنتجته الظروف الاجتماعية كأنه أمر طبيعي لا يحتاج الى تفسير أو إعتراض.
ومن الممكن الإستفادة من هذا التحليل لفهم كيف تستبطن المرأة بعض التوقعات المتعلقة بدورها، فتتحوّل تلك التوقعات الى معايير تحاكم نفسها على أساسها، حتى عندما لا يطلب منها الآخرون صراحةً هذا القدر من التنازل.
لكن هذا الإطار يفسِّر آلية استبطان الأدوار ولا يثبت أن كلّ تضحية إنسانية ناتجة عن الهيمنة أو أن جميع النساء يعشن التجربة نفسها. وقد يظهر الثمن الحقيقي لهذا النمط في مرحلة لاحقة من الحياة، عندما يكبر الأبناء وينشغلون بمساراتهم المستقلة، أو حين تتغيَّر العلاقة الزوجية فيقل الاهتمام الذي اعتادت المرأة أن تتلقاه.
فتكتشف أنها بنت معظم شعورها بقيمتها على دورها في حياة الآخرين، وأنها لم تمنح نفسها فرصة كافية لبناء عالم مستقل من الإهتمامات والعلاقات والقدرات. وقد تنتظر أن يعيد الأبناء إليها ما افتقدته، أو أن يُدرِك الزوج أخيراً حجم ما قدّمته، فتظلُّ معلّقة باعتراف الآخرين بها، عِوَضَ أن تجد في ذاتها أيضاً مصدراً للقيمة والمعنى.
وليس في ذلك اتهام للأبناء بالجحود، ولا افتراض أن الزوج سيتخلّى عن زوجته؛ فالعلاقات تختلف، وكثير من الأسر تقوم على المحبة والوفاء المتبادلين. المقصود أن جعل القيمة الذاتية رهينة استمرار حاجة الآخرين إلينا يُعرِّض الإنسان للفراغ عندما تتغيّر أدواره.
فالمرأة لا تحتاج الى أن تُقَلِّل من محبتها لأسرتها، بل الى أن تُدرِك أن لها وجوداً لا يُخْتَزَل في مقدار ما تقدِّمه، وأن رعايتها لنفسها ليست خيانة لواجباتها، بل جزء من التوازن الذي يحفظ قدرتها على الإستمرار في العطاء من دون أن تفقد ذاتها.
أمّا النمط الثاني، فيظهرعندما تضعف سلطة الطرف الذي اعتاد التحكّم ،أي الرجل، فتنتقل المرأة من موقع الخضوع والتنازل الى موقع السيطرة. بعد أن أمضت سنوات عمرها في التنازل والصمت، لتجد نفسها أمام زوج متردّد، أو عاجز عن إدارة الخلاف، أو فاقد القدرة على اتخاذ القرار.
وإذا لم تكن المرأة قد طوَّرت فهماً واضحاً للفارق بين استعادة حقّها في المشاركة وبين الإستئثار بالسلطة، فقد تتعامل مع تغيُّر ميزان القوّة بوصفه فرصة لقلب الأدوار: ما كان ممنوعاً عليها يُصبِح حقّاً حصرياً لها، وما كانت تعانيه من سيطرة قد تُعيد إنتاجه حين تُصبِح صاحِبة القرار. لكن تولّي المرأة القيادة ليس في ذاته مشكلة، كما أن الرجل لا يمتلك حقّاً طبيعيّاً في الإنفراد بقرارات الأسرة.
فقد تكون المرأة أكثر خبرة أو كفاءة في بعض الشؤون، وقد يكون من الملائم أن تتولى إدارة البيت أو المال أو القرارات المتعلقة بالأبناء. ولا يكون ذلك خللاً ما دام قائماً على التفاهم والإحترام وتقاسم المسؤولية.
إنما يبدأ بالإختلال عندما تتحول القيادة الى هيمنة، ويُصبِح أحد الطرفين ملزماً بالطاعة لمجرد أن الآخر أقوى أو أكثر إصراراً.
ومن هنا، فإن انتقال المرأة من موقع الخضوع الى موقع السيطرة لا يعني بالضرورة أنها تحرّرَت؛ فقد يكون الذي تغيّر هو صاحب السلطة، بينما بقي منطق العلاقة كما هو.
فبدل أن يتجاوز الطرفان ثنائية الحاكم والمحكوم، يجري تبادل الموقعين، وتستمر العلاقة في الدوران حول سؤال واحد: من يملك القرار النهائي؟ أمّا السؤال الأهم، وهو كيف يمكن للطرفين أن يتشاركا القرار من دون أن يُلغي أحدهما الآخر، فيبقى بلا إجابة.
وقد ينعكس هذا الصراع على الأبناء عندما يتحوّل البيت الى ساحة تنافس، أو حين تتناقض القرارات باستمرار، أو أن يُستخدَم الأبناء وسيلة لإضعاف أحد الوالدين.
لكن اضطراب الأسرة لا ينتج عن قيادة الأم في ذاتها؛ بل من الصراع المستمرّ، وغياب الحدود الواضحة، وانعدام الإحترام المتبادل.
فالطفل لا يحتاج الى أبٍ يهيمن وأم تخضع، ولا الى العكس، بل الى بيئة يستطيع فيها أن يرى اختلافاً يُدار بالحوار ومسؤولية تُمارَس من دون إذلال.
أما النمط الثالث، والأشد خطورة في نتائجه المحتملة، فيظهر، عندما تعيش المرأة علاقة زوجية لا تُشبِع احتياجاتها العاطفية، أو تشعر فيها بفقدان الاهتمام والتقدير، فتبدأ في البحث عن بديل تعتقد أنه سيمنحها ما تفتقده، وقد تجِد في رجلٍ آخر صورة لما تراه رجولة واحتواء ً واهتماماً غائباً عن علاقتها الحالية، فتفسِّر انجذابها إليه على أنه طريق للخلاص من معاناتها.
لكنها قد تخلط هنا بين الإحساس المؤقت بالإهتمام وبين حقيقة العلاقة، وبين الوعود التي تسمعها والقدرة الفعلية على بناء حياة مستقرّة.
وقد يدفعها اندفاعها الأحمق الى تجاهل الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها: هل هذا الرجل صادق في مقاصده؟ هل يرى فيها إنسانة لها حقوق واحتياجات، أم يراها فرصة لإشباع رغباته؟ وهل يقودها هذا الإختيار الى حياة أفضل أم ينقلها من معاناة تعرفها الى معاناة لم تتبيَّن ملامحها بعد؟ حين تنقاد المرأة بحماقة وراء رغباتها، من دون أن تَحْتَكِم الى الوعي أوتقدّر عواقب اندفاعها، قد تصبح فريسة سهلة للإستغلال.
فقد يمنحها الرجل ما تتوق إليه من اهتمام واحتواء، ثمّ يتخلّى عنها عندما تنتهي مصلحته.
وهنا تكون خسارتها كبيرة؛ إذ قد تكشف أنها لم تتحرّر بالضرورة من معاناتها، بل وقعت في تجربة جديدة زادت من جراحها.
والى جانب الإستغلال، قد تواجه إدانة المجتمع ونظرته القاسية، فتفقد شيئاً من احترام الآخرين لها، وتتأثر صورتها الاجتماعية على نحو يصعب عليها تجاوزه.
لكن الخسارة الكبرى قد تقع على الأبناء إن وجدوا. فهم لم يختاروا ما حدث، ومع ذلك قد يجدون أنفسهم في مواجهة اضطراب حياتهم الأسرية، وألم نفسي لا يعرفون كيف يعبّرون عنه، ونظرات اجتماعية قد تحمّلهم تبعات قرارات لم يتخذوها.
وقد يشتدّ هذا الألم حين يُدفعون الى الشعور بالخجل مما جرى داخل أسرهم، أو حين يصبحون موضع أحكام مسبقة بسبب سلوك أحد الوالدين، أو يجدون أنفسهم مضطرين الى الدفاع عن أحدهما او الإختيار بينهما أو بالتقوقع فوق أمراضهم النفسية. وهنا تتجاوز المسألة حدود رغبة المرأة بالخروج من علاقة زوجية لا ترضيها، لتصبِح قضية تتصل بقدرتها على التمييز بين حاجتها المشروعة الى الاهتمام، وبين الإنقياد وراء اندفاع أحمق قد يستغلّه الأخرون. طبعاّ، ليس من العدل أن يُطلَب من المرأة إلغاء حياتها من أجل أبنائها، كما ليس من الإنصاف تبرير رغباتها وتجاهل احتياجات ابنائها النفسية.
إن المسؤولية تقتضي أن تواجه معاناتها بوعي، وأن تُدرِك أن قراراتها قد تتجاوز أثارها حدود حياتها الشخصية.
ولا يعني ذلك أن كلّ امرأة تنهي زواجها أو تدخل في علاقة جديدة تكون منقادة وراء رغباتها، ولا أن الأبناء حتماً سيتضررون ، هذا يتوقف على طريقة التصرف واتخاذ القرار.
فعندما يكون الإنفصال واعياً لكل الظروف، ومدركاً لجميع النتائج يكون خياراً مشروعا يتحمل مسؤوليته كل من الزوج والزوجة، وقد تبدأ المرأة علاقة جديدة بعد انتهاء الزواج من دون أن يكون في ذلك ما يُبَرِّر الإدانة.
إنما موضع النقد هنا هو تحويل الإندفاع عند المرأة الى فلسفة للحياة، والإعتقاد بأن إشباع الرغبة يكفي لإثبات الحرية، من دون فهم دوافع القرار أو تحمُّل مسؤولية نتائجه.
فالتحرير لا يعني أن يفعل الإنسان كلّ ما يستطيع فعله، بل أن يُصبِح قادراً على الإختيار بعيداً عن الطاعة العمياء والإندفاع الأعمى معاً. وليس كلّ ما يُخَفِّف الألم في اللحظة الراهنة يُقَدِّم حلاَّ للمشكلة التي أنتجته، وقد يكون القرار الصعب، الذي يتطلب مواجهة الحقيقة أو إنهاء علاقة بوضوح، أكثر تحرراً من اندفاع يبدو ممتعاً لكنه يؤجل المواجهة ويضاعف الخسائر، خصوصاً على المرأة نفسها وعلى من دمّرتهم من أبناء.
ومن الضروري في هذا السياق، ألاّ نخلط بين التمرُّد الإندفاعي وبين مغادرة علاقة يسودها العنف. فالمرأة التي تتعرّض للضرب أو التهديد أو الإيذاء النفسي قد تُغادر لأنها تسعى الى حماية نفسها، لا لأنها تستسلم لرغبة عابرة أو تتخلّى عن مسؤولياتها. وتوضح مراجعة (ديبورا أندرسون ودانيال ساوندرز) المنشورة عام 2003 أن مغادرة العلاقة المسيئة عملية معقّدة تتداخل فيها عوامل نفسية ومادية، وقد تتطلب تحوّلات متتابعة في فهم المرأة لما تتعرّض له وفي قدرتها على اتخاذ خطوات عملية للخروج.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العنف بين الشريكين لا يقتصر على الإعتداء الجسدي، بل يشمل أيضاً الإيذاء النفسي والسلوكيات المسيطرة، وأن آثاره قد تمتد الى الصحة النفسية والجسدية والى رفاه الأطفال.
كما تُشير الى ارتباط العنف بعوامل متداخلة، منها اختلال القوّة، وتبرير العنف، وبعض الأعراف الجندرية الضارة، الى جانب عوامل فردية وأسرية ومجتمعية أخرى.
لذلك لا يجوز مطالبة المرأة التي تواجه العنف بالبقاء حفاظاً على صورة الأسرة، ولا تحميلها مسؤولية الأذى الذي تتعرض له. فحماية الأبناء لا تتحقق بإجبار الأم على احتمال الخطر، بل بالعمل على سلامتها وسلامتهم، وتوفير الدعم والخيارات الآمنة.
إن فهم النفس الإنسانية يقتضي أن نُميِّز بين سلوك يصدر عن اندفاع غير مدروس، وسلوك تفرضه ضرورة النجاة من الأذى؛ فالتشابه في مغادرة العلاقة الزوجية لا يعني تشابه في الدوافع أو الظروف.
وتقودنا هذه الأنماط الى نتيجة أساسية: لا يمكن فهم سلوك المرأة بمجرد النظر الى ما إذا كانت خاضعة أو متمردة أو مسيطرة. ينبغي أن نعرف ما الذي يدفعها الى ذلك، وما إذا كانت قادرة على التفكير والإختيار، وما حدود الخيارات المتاحة أمامها، وما إذا كانت تتحرّك بدافع الرغبة في الإنتقام أو البحث عن الأمان. فالسلوك الواحد قد يصدر عن دوافع مختلفة، ولا يصح أن نحكم على دوافع الإنسان من مظهر فعله وحده.
ومن هنا تبرز أهمية الثقافة والمعرفة والخبرة والتعليم والعمل والمشارك العامة. ليست هذه الوسائل ضماناً آلياً للنضج، لكنها تمنح المرأة أدوات أوسع لفهم حياتها، وتساعدها على معرفة حقوقها وواجباتها، وتزيد قدرتها على اتخاذ قرارات سليمة ومستقلة.
كما أن الإستقلال الاقتصادي قد يوسِّع خياراتها العملية، خصوصا حين تكون العلاقة غير آمنة أو حين تحتاج الى إعادة بناء حياتها. ولا يكفي أن تُمنح المرأة حقّاً على الورق إذا كانت تفتقر الى المعرفة أو الوسائل التي تتيح لها ممارسته.
والتمكين الحقيقي لا يعني إعفاء المرأة من المسؤولية، ولا منحها امتيازاً على الرجل؛ بل أن تُصبِح قادرة على ممارسة حقوقها، وفهم تبعات اختياراتها، والمشاركة في القرارات التي تخصّها، ومحاسبة نفسها بالمعايير التي تُحاسِب بها الآخرين. وهو، في الوقت نفسه، لا يجعلها وحدها مسؤولة عن اصلاح العلاقة الزوجية؛ فهذه العلاقة مسؤولية مشتركة، ولا يمكن تحميل طرف واحد تبعة العنف أو السيطرة أو فشل الشراكة.
إن المرأة لا تحتاج الى أن تختار بين التضحية بنفسها والإنفلات من كلّ قيد، ولا بين الطاعة المطلقة والسيطرة الكاملة.
ما تحتاج إليه هو القدرة على تجاوز الثنائية التي تجعل العلاقة صراعاً بين إرادتين، لا تعاوناً بين شخصين.
فالكرامة لا تتحقق بإلغاء الذات، لكنها لا تتحقق أيضاً بإلغاء الآخر؛ والحب لا يقتضي أن يتنازل أحد الطرفين عن وجوده، كما أن الحرية لا تعني أن تصبح رغبات الفرد مبرراً لتجاهل حقوق الآخرين وتبعات التصرف عليهم.
وهنا يعود السؤال الى الإنسان نفسه: هل يعرِف حقّاً ما الذي يحكم سلوكه، أم أنه يُطيع دوافعه ثمّ يبتكر لها تبريرات؟ قد تظن المرأة أنها تختار حين تخضع، لأنها تعتقد أن التضحية هي واجبها الوحيد؛ وقد تظن أنها تحرّرت حين تسيطر، لأنها لم تعرف طريقاً آخر لاستعادة قوتها؛ وقد تظنّ أنها وجدت خلاصها حين تندفع بحماقة وراء رغبة جديدة؛ لأنها لم تميِّز بين الراحة المؤقتة والحلّ الحقيقي.
وفي الحالات الثلاث، لا تكمن المشكلة في الرغبة وحدها، بل في غياب المسافة النقدية التي تسمح بفهمها ومراجعتها. إن التحرّر الأعمق لا يتحقق حين تنتصر غريزة على أخرى، بل حين يتقدّم الوعي ليمنح الرغبات مكانها الصحيح، ويُحوِّل الإختيار من استجابة تلقائية غير واعية، الى فعل مسؤول.
وعندما تدرك المرأة أن قيمتها لا تُقاس بمقدار ما تتحمله، ولا بمقدار ما تفرضه، ولا بمقدار ما تُشبِع بهأ رغباتها، يُصبِح بإمكانها أن تبني علاقة لا تقوم على الخضوع أو الإنتقام أو الحماقة، بل على الإستقلال المتبادل والإحترام والإختيار الواعي.
عندها فقط تتوقف العلاقة على كونها معركة على السلطة، وتُصبِح مجالاً يلتقي فيه شخصان لا ليمحو أحدهما الأخر، بل ليعيش كلٌّ منهما ذاته من دون أن ينتقص من ذات شريكه.