أمراض العصر... أكثر الأمراض انتشاراً وخطورة في العالم

يشهد العالم في العصر الحديث تحولاً كبيراً في طبيعة الأمراض التي تهدد حياة الإنسان. فبينما لا تزال الأمراض المعدية تشكل خطراً كبيراً في بعض مناطق العالم، أصبحت الأمراض غير السارية والمزمنة تتصدر المشهد الصحي العالمي، وفي مقدمتها أمراض القلب والشرايين، والسرطان، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، والسكري. 

ووفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، تسببت الأمراض غير السارية في 43 مليون وفاة على الأقل عام 2021، أي نحو ثلاثة أرباع الوفيات غير المرتبطة بالجوائح في ذلك العام. 

ويأتي أمراض القلب والأوعية الدموية في مقدمة الأخطار الصحية العالمية. وتشمل هذه المجموعة مرض القلب الإقفاري، والجلطات القلبية، والسكتات الدماغية وغيرها من اضطرابات القلب والشرايين. 

وتقدر منظمة الصحة العالمية أن أمراض القلب والأوعية الدموية تسببت في نحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي حوالي 32% من مجموع الوفيات في العالم، وكانت النسبة الأكبر منها مرتبطة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية. 

ويأتي السرطان في المرتبة الثانية من حيث خطورته العالمية، وهو ليس مرضاً واحداً وإنما مجموعة كبيرة من الأمراض التي تتميز بالنمو غير الطبيعي للخلايا وقدرتها، في بعض الحالات، على الانتشار إلى أعضاء أخرى. 

وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن السرطان تسبب في نحو 10 ملايين وفاة عام 2024، أي ما يقارب وفاة واحدة من كل ست وفيات عالمياً. 

ومن أكثر أنواع السرطان شيوعاً سرطان الرئة والثدي والقولون والمستقيم والبروستاتا. 

أما أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وعلى رأسها مرض الانسداد الرئوي المزمن، فتشكل بدورها عبئاً صحياً كبيراً. ويزداد خطر الإصابة بها مع التدخين والتعرض الطويل لتلوث الهواء وبعض الملوثات المهنية. 

كما أن أمراض الجهاز التنفسي الحادة، مثل التهابات الجهاز التنفسي السفلي، لا تزال من الأسباب المهمة للوفاة عالمياً، خصوصاً في الفئات الأكثر هشاشة. 

ويحتل مرض السكري مكانة متقدمة بين أمراض العصر، بعدما أصبح انتشاره مرتبطاً بصورة وثيقة بتغير أنماط الحياة، 

وقلة النشاط البدني، وزيادة الوزن، والنظم الغذائية غير الصحية. ولا تكمن خطورة السكري في ارتفاع مستوى السكر في الدم وحده، وإنما في مضاعفاته طويلة الأمد التي يمكن أن تؤثر في القلب والأوعية الدموية والكلى والأعصاب والعينين. 

وتضع منظمة الصحة العالمية السكري ضمن المجموعات الأربع الرئيسية للأمراض غير السارية إلى جانب أمراض القلب والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة. 

ولا يمكن إغفال أمراض الكلى المزمنة، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أهميتها الصحية خلال العقود الأخيرة. وتُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن أمراض الكلى ارتفعت من المرتبة التاسعة عشرة بين أسباب الوفاة الرئيسية عام 2000 إلى المرتبة التاسعة عام 2021، مع زيادة كبيرة في عدد الوفيات المرتبطة بها. 

وفي المقابل، لا تزال الأمراض المعدية تشكل خطراً حقيقياً في مناطق كثيرة من العالم. فقد ظلت التهابات الجهاز التنفسي السفلي من أكثر الأمراض المعدية فتكاً، بينما ما زالت أمراض مثل السل والملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية تشكل تحديات صحية مهمة، وإن كانت معدلات الوفيات من بعض هذه الأمراض قد انخفضت مقارنة بالعقود السابقة. 

واللافت أن كثيراً من أمراض العصر تشترك في عوامل خطر يمكن الحد منها. فالتدخين، وقلة الحركة، والنظام الغذائي غير الصحي، والسمنة، والإفراط في تناول الكحول، وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى تلوث الهواء، كلها عوامل تزيد احتمال الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة. 

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التعامل مع هذه العوامل، إلى جانب الكشف المبكر والتشخيص والعلاج المنتظم، يمكن أن يمنع أو يؤخر نسبة مهمة من الوفيات المبكرة. 

وهكذا، فإن أخطر أمراض العصر ليست بالضرورة الأمراض الأكثر غموضاً، بل كثيراً ما تكون الأمراض التي تتطور بصمت لسنوات قبل أن تظهر أعراضها بوضوح. ولهذا أصبحت الوقاية والفحوص الدورية والنشاط البدني والغذاء المتوازن والابتعاد عن التدخين من أهم الأسلحة التي يمتلكها الإنسان في مواجهة المرض. 

فالطب الحديث لا يواجه المرض بالعلاج وحده، وإنما يحاول الوصول إليه قبل أن يصبح خطراً؛ لأن اكتشاف المرض مبكراً قد يكون الفارق بين معاناة طويلة وحياة أكثر صحة وأماناً.