التورنيدو… حين يتحوّل الهواء إلى قوة مدمّرة

يبدو التورنيدو، أو الإعصار القُمعي، للوهلة الأولى كأنه ظاهرة خارقة للطبيعة، لكنه في الحقيقة نتيجة لتفاعل دقيق ومعقد بين الحرارة والرطوبة والضغط والرياح داخل عواصف رعدية شديدة. وفي دقائق قليلة، يمكن لتيارات الهواء الصاعدة والهابطة أن تتحد لتكوين عمود هوائي دوّار قادر على إحداث دمار واسع.

تبدأ ولادة التورنيدو عادةً عندما تتوافر في الغلاف الجوي كتلة من الهواء الدافئ والرطب بالقرب من سطح الأرض، يقابلها هواء أبرد في الطبقات العليا. يؤدي هذا الاختلاف الحراري إلى عدم استقرار في الجو، فيرتفع الهواء الدافئ بسرعة كبيرة نحو الأعلى، وتتشكل عاصفة رعدية قوية.لكن ارتفاع الهواء وحده لا يصنع تورنيدو. العامل الحاسم هو ما يُعرف بـ قصّ الرياح، أي تغيّر سرعة الرياح أو اتجاهها كلما ارتفعنا في الغلاف الجوي. وعندما تكون هذه التغيرات قوية بما يكفي، يمكن أن ينشأ دوران في الهواء، ثم تعمل التيارات الصاعدة داخل العاصفة على تحويل هذا الدوران إلى وضع أكثر عمودية.في العواصف الرعدية القوية، وخصوصًا ما يُعرف بـ العاصفة فائقة الخلية (Supercell)، يمكن أن يتركز الدوران في منطقة محددة من العاصفة. وإذا استمرت الظروف المناسبة، يضيق نطاق الدوران وتزداد سرعته، وقد يتطور إلى إعصار قمعي يصل إلى سطح الأرض.

القمع الذي نراه بالعين ليس بالضرورة كامل حدود الهواء الدوار. فهو يظهر عندما يؤدي انخفاض الضغط وتبريد الهواء إلى تكاثف بخار الماء، فتتشكل سحابة مخروطية أو أنبوبية معلقة أسفل قاعدة العاصفة.ولهذا السبب قد تكون هناك رياح دوارة قوية قرب سطح الأرض حتى قبل أن يصبح القمع المرئي واضحًا. كما أن بعض الأعاصير تكون واسعة جدًا بحيث لا تبدو من مسافة بعيدة بالشكل المخروطي التقليدي الذي تعرضه الأفلام.

تختلف قوة التورنيدو اختلافًا كبيرًا من حالة إلى أخرى. وتستخدم هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية مقياس فوجيتا المحسّن EF لتصنيف الأعاصير استنادًا إلى الأضرار التي تسببها، وليس إلى قياس مباشر للرياح في معظم الحالات.يتدرج التصنيف من EF0، الذي ترتبط به أضرار خفيفة ورياح تقديرية بين 105 و137 كيلومترًا في الساعة، وصولًا إلى EF5، حيث تتجاوز تقديرات سرعة الرياح 322 كيلومترًا في الساعة. ومن المهم التوضيح أن هذه الأرقام تقديرات مرتبطة بالأضرار وليست بالضرورة قياسًا مباشرًا لسرعة الرياح داخل القمع، لأن الأعاصير الأقوى كثيرًا ما تدمر الأجهزة التي يمكن أن تقيس الرياح مباشرة.

ليس دائمًا. فقد يكون القمع واضحًا في بعض الحالات، بينما يكون مخفيًا داخل المطر أو الغبار في حالات أخرى. ولهذا تعتمد أجهزة الأرصاد على الرادار والأقمار الصناعية ومراقبة تطور العواصف، وليس على الرؤية المباشرة وحدها.وتساعد الأقمار الصناعية الحديثة على متابعة تطور السحب والعواصف الشديدة، فيما تستطيع رادارات الطقس اكتشاف مؤشرات الدوران داخل العاصفة، الأمر الذي يتيح إصدار تحذيرات قبل وصول الخطر إلى بعض المناطق.

رغم أن الولايات المتحدة تشتهر عالميًا بهذه الظاهرة، فإن التورنيدو ليس ظاهرة أميركية حصرًا. فقد سُجلت أعاصير قمعية في جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية. إلا أن الولايات المتحدة تتميز بتكرار كبير للأعاصير القوية، ويرتبط ذلك جزئيًا بجغرافيتها التي تسمح بتفاعل الهواء الدافئ والرطب القادم من خليج المكسيك مع كتل هوائية أخرى، إلى جانب ظروف الرياح المناسبة فوق مناطق واسعة من البلاد.

قد يكون عمر بعض الأعاصير قصيرًا جدًا، بينما تستمر أخرى لفترة أطول. وتشير بيانات المركز الوطني لأبحاث العواصف الشديدة إلى أن متوسط بقاء التورنيدو على الأرض يقارب خمس دقائق، مع وجود حالات أقصر بكثير وأخرى أطول بصورة ملحوظة. كما أن سرعة تحركه تختلف؛ إذ يتحرك التورنيدو النموذجي بسرعة تقارب 16 إلى 32 كيلومترًا في الساعة، لكن بعض الأعاصير يمكن أن تتحرك بسرعة أكبر بكثير.

الإجابة هي لا. فمعظم العواصف الرعدية لا تنتج أعاصير قمعية. ويلزم اجتماع مجموعة من الظروف، أهمها عدم استقرار الغلاف الجوي، والرطوبة، والتيارات الصاعدة القوية، وقصّ الرياح المناسب. ولهذا فإن التنبؤ الدقيق بموعد ومكان تشكل التورنيدو لا يزال من أصعب تحديات علم الأرصاد الجوية.

من الصعب تحديد "أقوى تورنيدو في التاريخ" اعتمادًا على سرعة الرياح فقط، لأن قياس الرياح داخل الأعاصير القوية مباشرة أمر بالغ الصعوبة. لكن الرادارات المتنقلة سجلت بالقرب من سطح الأرض سرعة تقارب 302 ميلًا في الساعة، أي نحو 486 كيلومترًا في الساعة، في تورنيدو وقع قرب بريدج كريك ومور في ولاية أوكلاهوما في 3 أيار/مايو 1999. ويُعد هذا من أعلى قياسات الرياح المرتبطة بتورنيدو التي تم الحصول عليها بهذه الطريقة. 

يبقى التورنيدو واحدًا من أكثر الظواهر الجوية إثارة وخطورة؛ فهو يولد من عملية جوية معقدة تبدأ بفروق حرارية ورياح متغيرة وتنتهي أحيانًا بدوامة هائلة من الهواء تمتد من السماء إلى الأرض. ورغم التطور الكبير في علوم الأرصاد والرادار والأقمار الصناعية، لا يزال العلماء يدرسون لماذا تتحول بعض العواصف إلى أعاصير بينما تمر عواصف أخرى بالظروف نفسها تقريبًا من دون أن تنتجها.

وهنا تكمن المفارقة: التورنيدو ليس مجرد عمود من الرياح، بل نتيجة لحظة دقيقة يتلاقى فيها عدد كبير من عناصر الغلاف الجوي في المكان والوقت المناسبين

وعندما يحدث ذلك، يتحول الهواء الذي لا نراه إلى قوة يمكن أن نرى آثارها بوضوح على الأرض.