
مرضٌ عرفه العالم قبل قرون، وما زالت بكتيرياه موجودة حتى اليوم، لكن الطب الحديث غيّر فرص مواجهته.
لا تزال كلمة «الطاعون» تثير الخوف في الذاكرة الجماعية للبشرية، لما ارتبطت به من أوبئة مدمّرة أودت بحياة ملايين الأشخاص، وأثّرت في المجتمعات والاقتصادات ومسار التاريخ. ومع تداول أخبار عن حالات يُشتبه بإصابتها بالمرض في بعض مناطق العالم،
يتجدّد السؤال: هل عاد الطاعون فعلًا؟ وهل يمكن أن يتحوّل إلى وباء عالمي جديد، أم أن التقدّم الطبي أصبح قادرًا على احتوائه؟الحقيقة أن الطاعون لم يختفِ نهائيًا، لكنه لم يعد المرض الذي عجزت البشرية أمامه كما حدث في العصور القديمة. فما زالت إصابات بشرية تُسجّل في بعض البلدان، إلا أن وجود المرض في بؤر محدودة لا يعني بالضرورة بداية جائحة عالمية جديدة.
الطاعون مرض بكتيري معدٍ تسببه بكتيريا تُعرف علميًا باسم Yersinia pestis، وتعيش في دورات طبيعية بين بعض القوارض والبراغيث التي تتطفل عليها. ويمكن أن تنتقل العدوى إلى الإنسان من خلال لدغات البراغيث المصابة، أو ملامسة أنسجة حيوانات مصابة، كما يمكن أن ينتقل الطاعون الرئوي عن طريق استنشاق الرذاذ التنفسي المُعدي الصادر عن شخص مصاب.
وتتراوح فترة حضانة المرض غالبًا بين يوم وسبعة أيام، بحسب شكل العدوى وطريقة انتقالها. وتكمن خطورته في أن بعض أنواعه قد تتطور بسرعة، خصوصًا عند تأخر التشخيص والعلاج.
لا يعرف العلماء تاريخ أول إصابة بشرية بالطاعون على وجه الدقة، لكن الأدلة الجينية تشير إلى وجود البكتيريا المسببة له منذ آلاف السنين. أما أبرز موجاته التاريخية، فقد بدأت مع طاعون جستنيان سنة 541 ميلادية، الذي انتشر في مناطق واسعة من الإمبراطورية البيزنطية وحوض البحر المتوسط.وفي القرن الرابع عشر، اجتاح الموت الأسود أجزاء واسعة من أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، وأحدث كارثة بشرية هائلة.
ولم يكن العالم آنذاك يمتلك المعرفة الميكروبية أو المضادات الحيوية أو أنظمة الصحة العامة الحديثة، لذلك كانت القدرة على تشخيص المرض والحد من انتشاره محدودة للغاية.وفي أواخر القرن التاسع عشر، شهد العالم موجة وبائية كبرى عُرفت بالجائحة الثالثة.
وفي عام 1894، ساهم العالم ألكسندر يرسين في اكتشاف البكتيريا المسببة للطاعون خلال أبحاثه في هونغ كونغ، وهو ما شكّل محطة أساسية في فهم المرض وأسباب انتشاره.لقد اختلفت الظروف بين تلك العصور والعصر الحديث؛ فبعد أن كان الطاعون لغزًا مخيفًا، أصبح مرضًا معروف العامل المسبب، ويمكن تشخيصه وعلاجه بالمضادات الحيوية المناسبة.
يظهر الطاعون في ثلاثة أشكال رئيسية، تختلف في الأعراض وطريقة التطور.
الطاعون الدبلي: وهو الشكل الأكثر شيوعًا، ويظهر عادةً بعد لدغة برغوث مصاب. تشمل أعراضه ارتفاع الحرارة والقشعريرة والصداع والضعف العام، إضافة إلى تضخّم مؤلم في العقد اللمفاوية، خصوصًا في منطقة الأربية أو الإبط أو الرقبة.
الطاعون الرئوي: يصيب الرئتين، وقد يتطور نتيجة انتشار العدوى داخل الجسم، أو ينتقل عبر الرذاذ التنفسي المُعدي. ومن أعراضه الحمى الشديدة والسعال وألم الصدر وضيق التنفس، وقد يصاحبه بلغم ممزوج بالدم. ويُعد هذا الشكل من أخطر الأنواع، كما أنه الشكل الرئيسي القادر على الانتقال مباشرةً من شخص إلى آخر.
طاعون إنتان الدم: يحدث عندما تنتشر البكتيريا في مجرى الدم، وقد يؤدي إلى هبوط ضغط الدم واضطراب الدورة الدموية والنزف وتلف الأنسجة وفشل الأعضاء في الحالات المتقدمة.ولا تعني هذه الأعراض وحدها أن الشخص مصاب بالطاعون، إذ يمكن أن تتشابه مع أمراض أخرى. لكن ظهور أعراض شديدة وسريعة التطور، خصوصًا بعد التعرض المحتمل لقوارض أو براغيث مصابة أو لمريض يُشتبه بإصابته بالطاعون الرئوي، يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
عاد اسم الطاعون إلى التداول الإعلامي في أكتوبر 2026، عقب وفاة عاملة في مختبر متخصص بالأمراض المعدية في منطقة إيركوتسك الروسية، وسط تقارير أولية أثارت الاشتباه بالطاعون الرئوي.لكن الاشتباه الأولي لم يتحول إلى تشخيص مؤكد.
فقد أفادت منظمة الصحة العالمية، في تحديث نُشر في 10 أكتوبر 2026، بأن السلطات الروسية لم تسجّل حالة طاعون حديثة، وأن التحقيقات والفحوصات لم تثبت أن البكتيريا المسببة له كانت وراء الحادثة. وبقي سبب الالتهاب الرئوي الذي أدى إلى الوفاة غير محسوم في التقارير المتاحة آنذاك.
لذلك، لا يصح تقديم هذه الحادثة بوصفها دليلًا على عودة وباء الطاعون في روسيا أو انتشاره عالميًا.وفي المقابل، فإن المرض لا يزال موجودًا في بعض مناطق العالم، ولا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر، حيث تُسجّل إصابات بشرية بصورة متكررة أو متقطعة.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية للفترة الممتدة بين عامَي 2019 و2025 إلى تسجيل آلاف الحالات المشتبه بها حول العالم، مع تأكيد عدد كبير منها مخبريًا.وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث مسائل: وجود البكتيريا في الطبيعة، وتسجيل حالات بشرية محدودة، وظهور وباء واسع الانتشار. فهذه ليست ظواهر متطابقة، ولا يجوز اعتبار إحداها دليلًا تلقائيًا على حدوث الأخرى.
الإجابة نعم. لقد غيّر اكتشاف المضادات الحيوية فرص النجاة من المرض بصورة كبيرة، وأصبح العلاج ممكنًا وفعالًا عند اكتشاف الإصابة مبكرًا واختيار الدواء المناسب.تُستخدم مضادات حيوية متعددة بحسب نوع الطاعون وشدة الحالة، ومنها الجنتاميسين والسيبروفلوكساسين والدوكسيسيكلين والستربتومايسين،
وفق تقييم الطبيب والإرشادات الطبية المعتمدة. وقد يحتاج بعض المرضى إلى دخول المستشفى وتلقي السوائل والأكسجين والرعاية المكثفة.ولا يجوز انتظار ظهور نتائج جميع الفحوصات إذا كان الاشتباه الطبي قويًا؛ إذ قد يقرر الفريق المعالج بدء العلاج المناسب قبل صدور التأكيد المخبري، لأن التأخير قد يزيد خطر المضاعفات والوفاة.
وتؤكد الجهات الصحية الدولية أن الطاعون الرئوي غير المعالج قد يصبح قاتلًا خلال فترة قصيرة جدًا، بينما يمكن للمضادات الحيوية المناسبة أن تنقذ حياة المريض إذا أُعطيت في الوقت المناسب.
لا تقتصر مواجهة الطاعون على علاج المصابين، بل تشمل أيضًا مراقبة الحيوانات والبراغيث في المناطق التي يوجد فيها المرض، ومكافحة البراغيث والقوارض وفق إجراءات صحية مدروسة، وتجنّب لمس الحيوانات النافقة أو المريضة.وعند الاشتباه بالطاعون الرئوي، يجب اتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة، وعزل المصاب وفق التوصيات الصحية، ومتابعة المخالطين وتقييم حاجتهم إلى الوقاية الدوائية. كما أن التبليغ السريع عن الحالات المشتبه بها،
وتوفير المختبرات القادرة على التشخيص، والتنسيق بين المؤسسات الصحية، عوامل أساسية لمنع اتساع أي تفشٍّ.
أما التطعيم، فلا توصي منظمة الصحة العالمية بالتطعيم العام ضد الطاعون، وإن كان قد يُنظر فيه لبعض الفئات المهنية شديدة التعرض للخطر وفق الإرشادات المعتمدة.
لا يمكن استبعاد حدوث تفشيات جديدة، لكن لا توجد قاعدة علمية تقول إن ظهور حالات متفرقة يعني حتمية وقوع جائحة عالمية. فالخطر يتوقف على طبيعة العدوى، وسرعة التشخيص، وكفاءة أنظمة الرصد الصحي، ومدى توافر العلاج، والقدرة على الحد من انتقال المرض.وقد تزداد مخاطر التفشي في المناطق التي تعاني ضعف الخدمات الصحية أو صعوبة الوصول إلى التشخيص والعلاج.
وفي المقابل، تستطيع أنظمة الترصد الحديثة والمضادات الحيوية وإجراءات العزل ومتابعة المخالطين الحد من انتشار المرض بصورة كبيرة.وهذا لا يعني الاستهانة بالطاعون، بل التعامل معه بواقعية علمية: لا تهويل عند الاشتباه، ولا تهاون عند التأكد من الإصابة.
إن الطاعون شاهد تاريخي على ما يمكن أن تفعله الأمراض المعدية عندما تجهل البشرية أسبابها وتفتقر إلى وسائل مواجهتها. لكنه في الوقت نفسه مثال على قدرة العلم على تحويل مرض كان يُعد حكمًا بالموت في حالات كثيرة إلى مرض يمكن علاجه والحد من انتشاره.
لم تختفِ البكتيريا المسببة للطاعون من الطبيعة، لكن الطب الحديث يمتلك أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة. وتبقى سرعة التشخيص، والشفافية في إعلان المعلومات، والوقاية، والتعاون الدولي، عناصر حاسمة في حماية المجتمعات.
الرسالة الأهم اليوم هي أن الطاعون لا يزال خطرًا صحيًا حقيقيًا في بعض المناطق، لكنه ليس دليلًا بحد ذاته على اقتراب جائحة عالمية. فبين ذاكرة الموت الأسود وواقع الطب الحديث، تبقى المعرفة العلمية واليقظة الصحية أفضل وسيلتين لمواجهة الخطر من دون استسلام للخوف أو الوقوع في فخ الشائعات.
المصادر:
منظمة الصحة العالمية، صحيفة السجل الوبائي الأسبوعي للمنظمة عن حالات الطاعون بين 2019 و2025، والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها.