ساعة داخل نواة الذرة: هل يستعد العلم لإعادة تعريف الدقة؟

إكتشاف علمي جديد يفتح الباب أمام جيل مختلف من الساعات فائقة الدقة، وقد يساعد في استكشاف أسرار الكون واختبار القوانين الأساسية للفيزياء.


في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026، شهد العالم العلمي تطورًا بارزًا في مجال قياس الزمن، بعدما أعلن فريقان بحثيان، أحدهما في فيينا بالنمسا والآخر في بكين بالصين، نجاحهما بصورة مستقلة في تشغيل أول ساعتين نوويتين عاملتين. وقد نُشرت نتائج البحثين في مجلة «نيتشر» العلمية، لتشكّل خطوة مهمة في مسار علمي استمر لعقود بهدف الوصول إلى وسيلة جديدة وأكثر استقرارًا لقياس الزمن.ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في صناعة ساعة جديدة فحسب، بل في تغيير الجزء من الذرة الذي يعتمد عليه العلماء لتحديد الزمن، والانتقال من مراقبة حركة الإلكترونات بين مستويات الطاقة إلى دراسة انتقالات الطاقة داخل نواة الذرة نفسها.

لفهم هذا الاكتشاف، لا بد من العودة إلى مبدأ عمل الساعات الذرية التقليدية، التي تُعد من أدق الأدوات التي ابتكرها الإنسان لقياس الزمن. وتعتمد هذه الساعات على ترددات محددة مرتبطة بانتقال الإلكترونات بين مستويات الطاقة داخل الذرات، 

إذ يستخدم العلماء هذه الترددات مرجعًا بالغ الدقة لضبط الوقت.أما الساعة النووية، فتستند إلى مبدأ مشابه، لكنّها تراقب انتقالات الطاقة داخل نواة الذرة، التي تتكوّن من البروتونات والنيوترونات، بدلًا من الاعتماد على الإلكترونات المحيطة بها.

وقد وقع الاختيار على نظير الثوريوم-229، وهو شكل من عنصر الثوريوم يتمتع بخصائص نووية مميزة تجعل إحدى انتقالاته في الطاقة قابلة للتحفيز باستخدام ضوء الليزر. وتُعد هذه الخاصية استثنائية، لأن معظم الانتقالات النووية تحتاج إلى طاقات أعلى بكثير مما تستطيع تقنيات الليزر الضوئية التقليدية توفيره.وفي التجربتين الجديدتين، 

ثُبّتت نوى الثوريوم-229 داخل بلورات من فلوريد الكالسيوم، واستُخدم الليزر لمراقبة الانتقال النووي وضبط تردده، بما يسمح ببناء مرجع زمني يمكن مقارنته بمراجع أخرى فائقة الدقة.وبذلك، لم يعد الأمر مجرد فكرة نظرية أو تجربة لرصد استجابة نواة الذرة للضوء، بل أصبح نظامًا قادرًا على العمل بوصفه ساعة نووية.

تنبع أهمية الساعة النووية من أن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف الإلكتروني المحيط بها، وقد تكون بعض انتقالاتها أقل تأثرًا بأنواع معينة من المؤثرات الخارجية التي تؤثر في الساعات الذرية التقليدية.ويأمل الباحثون أن تتيح هذه الخصائص، مع تطوير التقنية وتحسين استقرارها، إنشاء ساعات تتمتع بدقة واستقرار استثنائيين. لكن من الضروري التمييز بين الإمكانات النظرية والنتائج المحققة بالفعل؛ فالساعتان اللتان أُعلن عنهما لا تتفوقان حتى الآن على أفضل الساعات الذرية التقليدية من حيث الأداء، ولا تزالان في مرحلة التطوير.ومع ذلك، فإن إثبات إمكانية تشغيل ساعة تعتمد على انتقال نووي يفتح المجال أمام تحسينات مستقبلية قد يصعب تحقيقها باستخدام التقنيات الحالية.

قد تتجاوز فوائد هذا التطور المختبرات المتخصصة لتصل، مستقبلًا، إلى تطبيقات عملية واسعة.فأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية تعتمد على قياس الزمن بدقة شديدة لحساب المواقع والمسافات. وأي تحسن في المراجع الزمنية قد يساعد على تطوير أنظمة تحديد المواقع والملاحة، شريطة دمج الساعات النووية في منظومات عملية مناسبة.كذلك، يمكن أن تسهم هذه التقنية في تحسين مزامنة البيانات داخل شبكات الاتصالات ومراكز معالجة المعلومات، وفي تطوير أدوات القياس المستخدمة في الأبحاث العلمية والصناعات التي تتطلب مستويات عالية من الدقة.لكن هذه الاستخدامات ليست جميعها متاحة اليوم؛ إذ تحتاج إلى مزيد من الأبحاث والتطوير الهندسي، وإلى إثبات أن الساعات النووية تستطيع العمل بكفاءة خارج البيئات المخبرية.

لعل الجانب الأكثر إثارة في هذا الاكتشاف لا يتعلق بقياس الوقت وحده، بل بما يمكن أن تكشفه هذه الساعات عن القوانين الأساسية التي تحكم الكون.فالساعة النووية شديدة الحساسية للترددات المرتبطة بانتقال الطاقة داخل النواة، وقد تسمح المقارنات الدقيقة بين تردداتها وترددات الساعات الذرية التقليدية باختبار ما إذا كانت بعض الثوابت الفيزيائية الأساسية ثابتة بالفعل، أو ما إذا كانت تتغير ضمن حدود صغيرة للغاية.ومن بين الأسئلة التي تثير اهتمام العلماء طبيعة المادة المظلمة، وهي مادة يُستدل على وجودها من آثارها الجاذبية، لكن طبيعتها الدقيقة لا تزال غير معروفة. وقد تؤدي بعض النماذج النظرية إلى توقع تأثيرات ضئيلة للمادة المظلمة في خصائص الذرات أو النوى.

وفي هذا السياق، أظهر الفريق الأوروبي أن ساعته النووية يمكن استخدامها في تجربة فيزيائية دقيقة للبحث عن آثار محتملة للمادة المظلمة. ولم تُسفر التجربة عن اكتشاف المادة المظلمة، لكنها برهنت على أن التقنية الجديدة تستطيع المشاركة في اختبارات فيزيائية عالية الدقة.وهنا تتجلى القيمة العلمية الكبرى لهذا الإنجاز: فقد تصبح الساعة أداة لا لقياس مرور الزمن فحسب، بل لاختبار فهمنا للطبيعة نفسها.

ظل تطوير الساعة النووية هدفًا علميًا صعبًا لسنوات طويلة، لأن النواة شديدة الصغر، ولأن معظم انتقالاتها الطاقية لا يمكن الوصول إليها بسهولة باستخدام الليزر المتاح.وقد شكّل الثوريوم-229 استثناءً مهمًا، إذ يتمتع بانتقال نووي منخفض الطاقة نسبيًا، يمكن استهدافه باستخدام ضوء في نطاق الأشعة فوق البنفسجية الفراغية.ومع ذلك، احتاج الباحثون إلى تطوير مصادر ليزر مناسبة، وبلورات عالية الجودة، ووسائل دقيقة لقراءة الإشارات النووية الضعيفة وتثبيت الترددات. وقد اتبع الفريقان مسارين تجريبيين مختلفين، ما يعزز الثقة بإمكانية تطوير هذه التقنية بطرائق متعددة.ويُظهر هذا الإنجاز أيضًا أن الاكتشافات العلمية الكبرى لا تأتي دائمًا من تجربة واحدة، بل من تراكم المعرفة وتعاون تخصصات متعددة، من الفيزياء النووية والبصريات إلى هندسة المواد وتقنيات القياس.


رغم النجاح الذي تحقق، لا تزال هناك تحديات أساسية، أبرزها رفع استقرار الساعة وتقليل تأثير البيئة المحيطة في الإشارات النووية، وتصغير حجم الأجهزة، وتبسيط أنظمة الليزر والقراءة، وجعل التقنية أكثر قابلية للاستخدام العملي.ويأمل الباحثون أن يؤدي الجمع بين نقاط القوة في التجربتين إلى تحسينات إضافية، لكن الانتقال من ساعة تعمل داخل المختبر إلى جهاز تجاري أو نظام ملاحة متكامل يحتاج إلى مراحل أخرى من البحث والاختبار.ومن هنا، فإن الحديث عن ثورة وشيكة في قياس الزمن يجب أن يبقى مرتبطًا بما تحقق علميًا، من دون القفز إلى استنتاج أن الساعات النووية أصبحت بالفعل أكثر دقة من جميع الساعات الموجودة.

يمثل تشغيل أول ساعتين نوويتين عاملتين محطة مهمة في تاريخ القياس الدقيق، لأنه يثبت أن النواة الذرية يمكن أن تتحول إلى مرجع زمني قابل للاستخدام في التجارب العلمية.وقد يحمل هذا التطور مستقبلًا إمكانات في الملاحة والاتصالات والقياسات المتقدمة، فضلًا عن فتح نافذة جديدة لدراسة المادة المظلمة واختبار النظريات الفيزيائية.لكن الأهم من التطبيقات المتوقعة هو ما يكشفه هذا الإنجاز عن قدرة الإنسان على تجاوز الحدود التقنية التي كانت تبدو مستحيلة. 

فكلما ازدادت دقة أدواتنا، اتسعت قدرتنا على طرح أسئلة جديدة عن الكون.وربما لا تعيد الساعة النووية تعريف الثانية في المستقبل القريب، لكنها قد تساعد العلماء على فهم الزمن والطبيعة بدقة أكبر، وتمنح البحث العلمي أداة جديدة لاستكشاف ما لا يزال مجهولًا.

المراجع العلمية:

  1. Reuters، Scientists in Vienna and Beijing create world's first nuclear clocks، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
  2. Toscani De Col, L. et al. (2026). A thorium-229 optical nuclear clock with feedback loop. Nature. https://doi.org/10.1038/s41586-026-11084-4
  3. Huang, B. et al. (2026). A nuclear clock synchronized to ²²⁹Th. Nature. https://doi.org/10.1038/s41586-026-11122-1
  4. Nature Portfolio (2026). Physics: New nuclear clocks on the block، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026.