
لم يعد وجود الطبيب الجراح داخل غرفة العمليات شرطًا دائمًا لكي يتمكن من إجراء العملية. فقد بدأت التكنولوجيا الطبية تنقل الجراحة نفسها عبر شبكات الاتصالات فائقة السرعة، بحيث يجلس الجراح في بلد، بينما يكون المريض في بلد آخر، ويتولى روبوت جراحي موجود إلى جانب المريض تنفيذ حركات يوجهها الطبيب لحظة بلحظة.
هذه التكنولوجيا تُعرف باسم الجراحة الروبوتية عن بُعد أو Telesurgery، وهي تختلف عن فكرة أن «الذكاء الاصطناعي يجري العملية وحده». ففي النموذج المستخدم حاليًا، يبقى الجراح هو صاحب القرار والسيطرة، بينما يعمل الروبوت كأداة دقيقة تنقل حركات يدي الجراح إلى الأدوات الموجودة داخل جسم المريض.
ومن أبرز الأمثلة الحديثة ما حدث في 14 حزيران/يونيو 2025، عندما أجرى الجراح الأميركي فيبول باتيل عملية استئصال جذري للبروستاتا لمريض مصاب بسرطان البروستاتا في أنغولا، بينما كان الطبيب موجودًا في فلوريدا بالولايات المتحدة، على مسافة تقارب 7,000 ميل.
وكانت العملية جزءًا من تجربة سريرية بشرية عابرة للقارات أُجيزت من إدارة الغذاء والدواء الأميركية ضمن مسار بحثي خاص.
ولم يكن المريض في أنغولا بمفرده؛ فقد كان هناك فريق طبي محلي داخل غرفة العمليات للتعامل مع المريض ومراقبة الوضع والاستعداد للتدخل إذا ظهرت أي مشكلة.
أما الطبيب الموجود في الولايات المتحدة فكان يتحكم بالمنصة الروبوتية عبر شبكة ألياف ضوئية مخصصة لنقل الإشارات بسرعة عالية.
وهذا التفصيل مهم جدًا، لأن الجراحة عن بُعد لا تعني أن المستشفى المحلي يخلو من الأطباء، بل تتطلب وجود فريق مؤهل إلى جانب المريض، مع خطط للتعامل مع الطوارئ وانقطاع الاتصال أو حدوث أي خلل تقني.
ولم تتوقف التجارب عند الحالة الأميركية. ففي آذار/مارس 2026، أُجريت في جبل طارق عملية استئصال للبروستاتا لمريض كان موجودًا هناك، بينما كان الجراح في لندن، أي على بعد نحو 2,400 كيلومتر. واستُخدم نظام جراحي روبوتي متصل بشبكة اتصالات عالية السرعة، مع زمن تأخير بالغ الانخفاض بين حركة الجراح واستجابة الروبوت.
وتوضح هذه التجارب أن المسألة لم تعد مجرد فكرة من أفلام الخيال العلمي، وإنما أصبحت مجالًا طبيًا يجري اختباره وتطويره بصورة عملية وتحت ضوابط تنظيمية وطبية.بل إن دولًا أخرى دخلت هذا المجال أيضًا. ففي عام 2025، نُشرت إرشادات تقنية دولية متخصصة للجراحة الروبوتية عن بُعد، تناولت قضايا مثل سرعة الاتصال، زمن التأخير، أمن الشبكات، تدريب الفرق الطبية، والطوارئ.
هنا تظهر نقطة تحتاج إلى بعض الدقة.فالذكاء الاصطناعي يدخل الجراحة الحديثة في مجالات متعددة، منها تحليل الصور الطبية، التخطيط للعملية، المساعدة في الملاحة الجراحية، تحسين رؤية الأنسجة، ومراقبة بعض المعطيات أثناء العملية.
كما يجري تطوير أنظمة أكثر استقلالية يمكنها تنفيذ مهام محددة.لكن هذا لا يعني أن المريض يُترك لروبوت مزود بالذكاء الاصطناعي كي «يقرر» وحده كيف يجري عملية معقدة.
وتشير مراجعة علمية نشرت في npj Digital Medicine إلى أن غالبية الروبوتات الجراحية التي راجعتها وكانت حاصلة على تصاريح من إدارة الغذاء والدواء الأميركية كانت في المستوى الأول من الاستقلالية، أي تعمل تحت سيطرة الجراح بصورة مستمرة.
وكانت نسبة صغيرة فقط تتمتع بدرجات أعلى من الاستقلالية لتنفيذ مهام محددة أو مشروطة. كما خلصت مراجعة حديثة في Nature Reviews Urology عام 2026 إلى أن التطبيقات الأقرب في المدى القصير للذكاء الاصطناعي في الجراحة تتمثل بصورة أساسية في مساعدة الجراح وتعزيز قدرته على الرؤية واتخاذ القرار وتوحيد بعض جوانب الأداء، مع بقاء السيطرة لدى الجراح.
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة للقلق عندما نسمع عن جراح يجري عملية من بلد آخر.الجراحة عن بُعد تعتمد على شبكة اتصال مستقرة وسريعة وآمنة، لأن أي تأخير كبير بين حركة يد الجراح واستجابة الروبوت يمكن أن يمثل خطرًا.
ولهذا تركز الإرشادات الحديثة على تقليل زمن التأخير، ومراقبة الاتصال باستمرار، وتأمين أنظمة احتياطية، ووضع خطة واضحة للتعامل مع أي انقطاع أو خلل.
وتوصي التوافقات الدولية الحديثة أيضًا بوجود فريق طبي مؤهل في موقع المريض، وبأن يكون قادرًا على التدخل عند الضرورة، خصوصًا في العمليات ذات الخطورة المرتفعة.
قد تكون القيمة الأكبر لهذه التكنولوجيا في المناطق التي تعاني نقصًا في بعض الاختصاصات الجراحية الدقيقة.فبدلًا من أن يضطر مريض يعيش في منطقة بعيدة إلى السفر آلاف الكيلومترات للوصول إلى جراح متخصص، يمكن مستقبلًا أن يبقى في مستشفى مجهز محليًا، بينما يتولى جراح متخصص في دولة أخرى الجزء الروبوتي من العملية.
وهذا يمكن أن يكون مهمًا بصورة خاصة في المناطق النائية، وفي الدول التي تعاني نقصًا في اختصاصات جراحية دقيقة، وربما في الظروف التي تجعل سفر المرضى أو الأطباء صعبًا.
لكن الطريق أمام انتشار هذه التكنولوجيا على نطاق واسع لا يزال يتطلب معالجة مسائل كثيرة، منها الترخيص الطبي بين الدول، المسؤولية القانونية عند حدوث خطأ، حماية البيانات الطبية، أمن الشبكات من الاختراق، تدريب الفرق المحلية، كلفة الأجهزة والاتصالات، والتعامل مع حالات الطوارئ.
وقد أكدت الإرشادات الدولية الحديثة أن الجراحة العابرة للحدود تثير بالفعل أسئلة قانونية وتنظيمية تتعلق بترخيص الطبيب والمسؤولية وحماية البيانات.
القصة إذًا ليست أن الروبوت أصبح طبيبًا، ولا أن الذكاء الاصطناعي استغنى عن الجراح.الأدق أن نقول إن المسافة بين الطبيب والمريض بدأت تفقد جزءًا من أهميتها بفضل الروبوتات والاتصالات والذكاء الاصطناعي.
فقد أصبح ممكنًا أن يجلس جراح في لندن، بينما يكون مريضه في جبل طارق، أو أن يجلس جراح في الولايات المتحدة بينما يكون المريض في أفريقيا، وأن تنتقل حركات الجراح وصور العملية عبر شبكة آمنة إلى روبوت موجود بجانب المريض.
وإذا استمرت هذه التكنولوجيا في إثبات سلامتها وفاعليتها وخضعت للأطر القانونية المناسبة، فقد نشهد مستقبلًا تصبح فيه الخبرة الجراحية نفسها قابلة للانتقال عبر الحدود، وليس المريض وحده.
والأهم أن مستقبل هذا المجال لا يبدو قائمًا على استبدال الطبيب بالآلة، بل على بناء علاقة جديدة بين الجراح والروبوت والذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصال، بحيث تبقى الخبرة البشرية في مركز القرار، بينما تتولى التكنولوجيا توسيع حدود ما يستطيع الطبيب الوصول إليه.