
لم يعد الذكاء الاصطناعي يعيش خارج الإنسان، في الحواسيب والهواتف والبرامج فقط، بل بدأ يقترب من أكثر أجزاء الإنسان خصوصية: الدماغ.ففي السنوات الأخيرة برز مجال علمي متسارع يعرف باسم التكنولوجيا العصبية (Neurotechnology)، وهو مجال يهدف إلى فهم نشاط الجهاز العصبي وقياس إشاراته أو التفاعل معها، باستخدام أجهزة وتقنيات متطورة، بعضها يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الإشارات العصبية وتحويلها إلى معلومات قابلة للفهم أو إلى أوامر يمكن للآلة تنفيذها.
وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه مشهد من أفلام الخيال العلمي، إلا أن بعض التطبيقات أصبحت واقعًا تجريبيًا بالفعل.
ففي يوليو 2026، أعلن المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة أن رجلًا يعاني من الشلل تمكن من استخدام نظام واجهة دماغ–حاسوب في منزله للمساعدة على الكلام والتواصل، في تجربة تشير إلى إمكانية استخدام هذه التقنيات مستقبلًا كوسيلة عملية للتواصل لدى أشخاص فقدوا القدرة على الكلام.
ولا يتوقف التطور عند مساعدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عصبية أو فقدان القدرة على الكلام. ففي يونيو 2026، أفاد باحثون مدعومون من المعاهد الوطنية للصحة بأن نماذج للذكاء الاصطناعي استطاعت، اعتمادًا على تسجيلات عصبية على مستوى الخلايا، التنبؤ بجوانب من القواعد والمعنى والسياق المرتبط باللغة. وتفتح هذه النتائج أبوابًا جديدة لفهم كيفية تمثيل اللغة داخل الدماغ، مع بقاء الانتقال من البحث العلمي إلى الاستخدام الواسع أمرًا يحتاج إلى مزيد من البحث والتطوير.
وهنا تبدأ القصة الأكثر إثارة: إذا أصبحت الآلة قادرة على قراءة بعض الإشارات المرتبطة بما يريد الإنسان قوله أو فعله، فمن يملك هذه المعلومات؟إن البيانات العصبية ليست كأي بيانات أخرى. فالصورة أو الاسم أو الموقع الجغرافي معلومات شخصية، لكن بيانات الدماغ يمكن أن ترتبط بحالات معرفية أو عاطفية أو أنماط من النشاط العصبي.
ولهذا ترى اليونسكو أن التطور المتسارع في هذا المجال يفرض أسئلة تتعلق بالكرامة الإنسانية، والهوية، والاستقلالية، وحرية التفكير، والخصوصية العقلية. وهنا يظهر مفهوم جديد نسبيًا في النقاش الحقوقي هو «الحقوق العصبية» أو Neurorights، أي التفكير في حماية حقوق الإنسان عندما تصبح التكنولوجيا قادرة على الوصول إلى نشاط الدماغ أو التأثير فيه.
فإذا كانت القوانين تحمي خصوصية الرسائل والصور والبيانات الشخصية، فماذا عن البيانات المستخرجة من الدماغ؟وهل يمكن اعتبار النشاط العصبي نوعًا من البيانات الشخصية التي لا يجوز جمعها أو تحليلها أو استخدامها من دون موافقة واضحة من صاحبها؟هذه الأسئلة لم تعد نظرية فقط.
ففي أبريل 2025 اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا بشأن التكنولوجيا العصبية وحقوق الإنسان، في مؤشر على انتقال النقاش من المختبرات والجامعات إلى المجال الدولي لحقوق الإنسان.
وفي السياق نفسه، اعتمدت اليونسكو في نوفمبر 2025 توصيتها بشأن أخلاقيات التكنولوجيا العصبية، وهي أول إطار معياري عالمي من هذا النوع، بهدف توجيه تطوير واستخدام هذه التكنولوجيا بطريقة تحمي حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. وتتناول التوصية قضايا تتجاوز المجال الطبي لتشمل مجالات مثل التعليم والعمل والاستخدامات التجارية.
لا شك أن الجانب الإنساني لهذه التكنولوجيا يحمل وعودًا كبيرة.فقد تساعد شخصًا فقد القدرة على الكلام على التواصل مع أسرته، أو تساعد شخصًا يعاني من إعاقة حركية على التحكم بجهاز، أو تساهم مستقبلًا في تطوير وسائل جديدة لعلاج بعض الاضطرابات العصبية.
لكن كل تقدم علمي يحمل معه مسؤولية استخدامه.فإذا كان بالإمكان تحليل إشارات الدماغ، فقد تظهر أسئلة حول استخدامها في أماكن العمل، أو التعليم، أو التسويق، أو الألعاب، أو تقييم السلوك. وتلفت اليونسكو إلى أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العصبية يمكن أن يزيد المخاطر المتعلقة بالتلاعب بالسلوك أو استغلال الانحيازات المعرفية، خصوصًا إذا جرى استخدام البيانات العصبية دون حماية كافية. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل يستطيع الإنسان أن يحتفظ بمساحة داخلية لا تستطيع التكنولوجيا الوصول إليها؟
فالخصوصية في المستقبل قد لا تعني فقط حماية المنزل والهاتف والحساب الإلكتروني، بل ربما حماية ما يجري داخل الدماغ نفسه.وقد يصبح مفهوم «الخصوصية العقلية» أحد المفاهيم الحقوقية المهمة في عصر التكنولوجيا العصبية، خصوصًا مع استمرار تطور القدرة على تسجيل وتحليل النشاط العصبي.
ليس من الدقة النظر إلى التكنولوجيا العصبية باعتبارها خطرًا بحد ذاتها، كما ليس من الدقة اعتبار كل تطور فيها إنجازًا إيجابيًا دون شروط. فالنتيجة تعتمد على طريقة التصميم والاستخدام والرقابة والضمانات القانونية.
المشكلة ليست في أن التكنولوجيا تقترب من الدماغ، بل في من يملك التكنولوجيا، ومن يملك البيانات، ومن يقرر حدود استخدامها.فالإنسان الذي يعاني من مرض عصبي قد يرى في واجهة الدماغ–الحاسوب فرصة لاستعادة وسيلة للتواصل، بينما قد يرى القانوني فيها سؤالًا جديدًا حول الموافقة والخصوصية، وقد يرى الباحث فيها نافذة غير مسبوقة لفهم الدماغ، بينما قد يرى الحقوقي ضرورة وضع حدود واضحة أمام أي استخدام يمكن أن يمس حرية التفكير أو استقلالية الإنسان.
وهنا تبرز أهمية أن يسبق التشريعُ التكنولوجياَ أو على الأقل أن يواكب سرعتها، بدل أن نكتشف بعد سنوات أن بعض القدرات التقنية أصبحت واقعًا قبل أن نعرف كيف نحمي الإنسان منها أو نحدد حدود استخدامها.لقد اعتاد الإنسان أن يخشى أن تراقب التكنولوجيا ما يكتبه أو ما يقوله أو أين يذهب.
أما السؤال الجديد فيبدو أكثر عمقًا:
ماذا لو أصبحت التكنولوجيا قادرة على الاقتراب من أفكارنا نفسها؟
ربما تكون أعظم معركة حقوقية في المستقبل ليست حول خصوصية الهاتف أو الحاسوب، بل حول حق الإنسان في أن يحتفظ بعالمه الداخلي لنفسه.فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتعلم من البيانات، والتكنولوجيا العصبية تستطيع أن تقترب أكثر من إشارات الدماغ، لكن يبقى التحدي الحقيقي هو أن يظل التطور العلمي في خدمة الإنسان، لا أن يتحول الإنسان إلى مجرد مصدر جديد للبيانات.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال:
هل تستطيع الآلة قراءة الدماغ؟
بل السؤال الأهم:
إذا استطاعت الآلة أن تفهم بعض إشارات عقولنا، فهل نكون قد وصلنا إلى ضرورة وضع قانون يحمي آخر مساحة خاصة للإنسان... أفكاره؟
مراجع أساسية:
اليونسكو حول أخلاقيات التكنولوجيا العصبية وتوصيتها العالمية، والمعاهد الوطنية للصحة NIH حول التطورات الحديثة في واجهات الدماغ–الحاسوب، ومجلس حقوق الإنسان حول التكنولوجيا العصبية وحقوق الإنسان.