كيف يتأثر الدماغ البشري في الفضاء؟ تجارب علمية تكشف أسرار الجهاز العصبي


من الخلايا العصبية المزروعة في المختبر إلى الرحلات الفضائية الطويلة، يسعى العلماء إلى فهم تأثير انعدام الجاذبية والإشعاع الكوني في الدماغ البشري، وما قد تكشفه هذه الأبحاث عن الأمراض العصبية على الأرض.

لم يعد استكشاف الفضاء مقتصرًا على دراسة الكواكب والنجوم أو تطوير المركبات الفضائية، بل أصبح يمتد إلى واحد من أكثر أعضاء جسم الإنسان تعقيدًا: الدماغ. فمع تطلع وكالات الفضاء إلى إرسال رواد في رحلات طويلة نحو القمر والمريخ، تبرز أسئلة علمية أساسية حول قدرة الجهاز العصبي على التكيف مع بيئة تختلف جذريًا عن الظروف التي تطور فيها الإنسان على الأرض.كيف يتعامل الدماغ مع انعدام الوزن؟ وهل يمكن للإشعاع الكوني أن يؤثر في الخلايا العصبية؟ وهل تساعد النماذج المصغّرة من أنسجة الدماغ، التي تُنمّى داخل المختبرات، على كشف التغيرات التي قد تحدث خلال الإقامة الطويلة في الفضاء؟هذه الأسئلة أصبحت محورًا لأبحاث تجمع بين علوم الأعصاب والطب الفضائي والهندسة الحيوية، في محاولة لفهم المخاطر المحتملة وتطوير وسائل أكثر أمانًا لاستكشاف الفضاء.

أولًا: ماذا يحدث للدماغ في بيئة انعدام الجاذبية؟

على الأرض، تؤثر الجاذبية في توزيع السوائل داخل الجسم وفي عمل أجهزة التوازن والحركة. أما في الفضاء، حيث يعيش رواد الفضاء في بيئة الجاذبية الصغرى، فتحدث تغيرات فسيولوجية قد تؤثر في وظائف الجسم، بما فيها الجهاز العصبي.ومن أبرز هذه التغيرات انتقال السوائل نحو الجزء العلوي من الجسم والرأس، وهو ما قد يساهم في تغيرات داخل الدورة الدموية والسائل الدماغي الشوكي. وقد رصدت دراسات على رواد الفضاء تغيرات في بنية الدماغ وحجم بعض مناطقه بعد رحلات طويلة، إضافة إلى تغيرات في المساحات المحيطة به وفي توزيع السوائل.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الدماغ يتعرض للتلف بالضرورة؛ إذ تختلف الاستجابة باختلاف مدة الرحلة، وطبيعة التغيرات الفردية، والظروف الصحية لكل رائد فضاء. ولا تزال الأبحاث مستمرة لتحديد الآثار طويلة الأمد ومدى استمرار بعضها بعد العودة إلى الأرض.كذلك، قد تتأثر منظومة التوازن والتنسيق الحركي، لأن الدماغ يعتمد على إشارات متكاملة تأتي من العينين والأذن الداخلية والمستقبلات الحسية في العضلات والمفاصل. وعندما تتغير العلاقة بين هذه الإشارات، يحتاج الجهاز العصبي إلى فترة من التكيف، وقد يعاني بعض رواد الفضاء اضطرابات في التوازن أو الغثيان المكاني.

ثانيًا: الإشعاع الكوني والتحدي الأكبر للرحلات الطويلة

يُعد الإشعاع الفضائي أحد المخاطر الرئيسية التي تواجه الإنسان خارج الحماية التي يوفرها الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي للأرض.ففي الفضاء العميق، يتعرض رواد الفضاء لجسيمات عالية الطاقة مصدرها الشمس ومصادر كونية أخرى. ويمكن لهذه الجسيمات أن تتفاعل مع الأنسجة الحية، وتؤدي إلى أضرار في الحمض النووي وزيادة الإجهاد التأكسدي، وهي عمليات يدرس العلماء علاقتها المحتملة بوظائف الخلايا العصبية والالتهابات الدماغية.وتشير أبحاث مخبرية وتجارب على نماذج حيوانية إلى أن بعض أنواع الإشعاع الفضائي قد تؤثر في الذاكرة والتعلم والاتصال بين الخلايا العصبية. غير أن تعميم هذه النتائج على البشر يتطلب الحذر، لأن جرعات الإشعاع وظروف التجارب تختلف عن التعرض الفعلي خلال المهمات الفضائية.ولهذا، يعمل الباحثون على تطوير وسائل للحماية من الإشعاع، وتحسين تصميم المركبات والملاجئ الفضائية، وفهم الجرعات التي يمكن أن يتعرض لها رواد الفضاء بأمان نسبي خلال الرحلات الممتدة.

ثالثًا: أدمغة مصغّرة داخل المختبرات

من الاتجاهات العلمية اللافتة استخدام ما يُعرف باسم «العضويات الدماغية» (Brain Organoids)، وهي نماذج ثلاثية الأبعاد من الخلايا العصبية تُنمّى مخبريًا انطلاقًا من خلايا جذعية، وتستطيع محاكاة بعض خصائص نمو أنسجة الدماغ وتنظيمها.هذه العضويات ليست أدمغة بشرية كاملة، ولا تمتلك جميع وظائف الدماغ أو بنيته المعقدة، لكنها تمنح العلماء وسيلة لدراسة سلوك الخلايا العصبية والتفاعلات بينها في ظروف يمكن التحكم بها.وفي بعض التجارب الفضائية، أُرسلت عضويات دماغية إلى محطة الفضاء الدولية لدراسة كيفية استجابتها لبيئة الجاذبية الصغرى والإشعاع والظروف المحيطة المختلفة عن الأرض. ويتيح ذلك مقارنة عينات تعرضت لبيئة الفضاء بأخرى بقيت في ظروف مخبرية أرضية مماثلة.ويبحث العلماء في تغيرات محتملة تشمل نمو الخلايا العصبية، والتعبير الجيني، والإجهاد الخلوي، والالتهابات، وأنماط التواصل بين الخلايا. 

وقد تساعد هذه النتائج على تحديد المسارات البيولوجية التي تستجيب لظروف الفضاء، وفهم ما إذا كانت بعض التغيرات قابلة للعكس بعد انتهاء التعرض.ومع ذلك، فإن العضويات الدماغية لا تستطيع وحدها الإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة بالدماغ البشري؛ فهي تفتقر إلى كثير من مكونات الدماغ الطبيعي، مثل الأوعية الدموية المتكاملة والاتصالات الكاملة مع بقية أعضاء الجسم. لذلك تُستكمل نتائجها بدراسات رواد الفضاء والتجارب الأرضية والنماذج الحيوانية.

رابعًا: هل تساعد أبحاث الفضاء في علاج الأمراض العصبية؟

تتجاوز أهمية هذه الدراسات حماية رواد الفضاء، إذ قد تسهم في فهم بعض الآليات المرتبطة بالأمراض العصبية والتنكسية، مثل مرض ألزهايمر ومرض باركنسون، وإن كانت العلاقة بين بيئة الفضاء وهذه الأمراض ليست مباشرة أو محسومة.فدراسة الإجهاد الخلوي والالتهابات والتغيرات في التواصل العصبي قد تساعد الباحثين على تحديد آليات بيولوجية تستحق المزيد من البحث. 

كما أن تطوير العضويات الدماغية يتيح اختبار فرضيات علمية ودراسة تأثير بعض العوامل على الخلايا البشرية في المختبر.لكن لا يجوز اعتبار هذه التجارب دليلًا على أن انعدام الجاذبية يعالج الأمراض العصبية، أو أن النتائج المستخلصة من العضويات الدماغية ستؤدي حتمًا إلى اكتشاف علاج جديد. إنما هي أدوات بحثية قد تفتح مسارات لفهم أعمق للمرض وتطوير علاجات مستقبلية بعد اجتياز مراحل الاختبار اللازمة.

خامسًا: التحديات التي تواجه العلماء

على الرغم من التقدم المحقق، ما زالت هناك تحديات عديدة. فالرحلات الفضائية تختلف في مدتها وجرعات الإشعاع التي يتعرض لها روادها، كما أن عدد المشاركين في كثير من الدراسات البشرية محدود، ما يصعّب الوصول إلى استنتاجات نهائية بشأن الآثار طويلة الأمد.كذلك، فإن إجراء التجارب في الفضاء مكلف ومعقد، ويتطلب المحافظة على العينات الحيوية ومراقبة ظروفها بدقة. أما العضويات الدماغية، فتختلف من عينة إلى أخرى، 

وقد لا تمثل جميع أنواع الخلايا والمناطق الموجودة في الدماغ البشري.ولذلك، يعتمد التقدم العلمي في هذا المجال على الجمع بين الملاحظات السريرية لرواد الفضاء، والتجارب المخبرية على الأرض، والبحوث التي تُجرى في المدار، وتحليل البيانات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي عند الحاجة.

حماية الدماغ شرط لاستكشاف المستقبل

إن فهم تأثير الفضاء في الدماغ البشري لم يعد مسألة ثانوية في برامج الاستكشاف، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الاستعداد لرحلات قد تستمر أشهرًا أو سنوات.وتوفر العضويات الدماغية وتقنيات الأبحاث الحيوية الحديثة فرصة لدراسة بعض الاستجابات العصبية في ظروف يصعب محاكاتها بالكامل على الأرض. وقد تساعد هذه المعرفة في تطوير وسائل لحماية رواد الفضاء، وفي الوقت نفسه تعزز فهمنا للعمليات الأساسية التي تحافظ على صحة الخلايا العصبية.ومع ذلك، 

لا تزال المسافة بين النتائج التجريبية والتطبيقات الطبية واسعة، ولا بد من المزيد من الدراسات لتحديد المخاطر الفعلية ومدى إمكان الاستفادة من هذه الأبحاث في علاج الأمراض.وفي النهاية، قد تكون رحلة الإنسان نحو الكواكب الأخرى فرصة لاكتشاف المزيد عن الكون، لكنها أيضًا رحلة لاكتشاف الدماغ نفسه، وفهم حدود قدرته على التكيف، والوسائل التي يمكن أن تحافظ على سلامته في أكثر البيئات قسوة.

مراجع علمية للاطلاع: