قراءة في لوحة  "جموح"  للفنان السوري حميد نوفل


بقلم: المحامي والفنان التشكيلي الأستاذ عامر الخطيب


تستقبلك لوحة "جموح" من أول وهلة بطاقة بصرية متفجرة، كمن فتح نافذة على بركان يتنفس ألواناً لا دخاناً، يُحكم الفنان حميد نوفل قبضته على البناء الإنشائي بوعي مدروس، إذ يُقسّم مساحة اللوحة إلى ثلاثة مستويات متداخلة غير منفصلة.


- المستوى الأول - السماء والفضاء العلوي - تتربع فيه كائنات أسطورية طائرة، أشبه بطيور الروح الحرة، تحلق في فضاء متوهج تتشابك فيه خطوط منحنية مرسومة بحرية الانعتاق لا بقيد الأكاديمية، وكأنها أوتار عزف عليها الفنان نغماته الأولى قبل أن تلمس الريشة القماش.


-المستوى الثاني - جوهر اللوحة ومركز ثقلها - يحتضن الشكل الإنساني الضخم المنبثق من قلب اللهب الأصفر، و يلتف حوله ما يشبه الجناح الأيسر الهائل، مُشكّلاً معه وحدة درامية واحدة تجمع بين الإنسان والأسطورة والأرض في آنٍ واحد.


-المستوى الثالث - الأرض والتراث المتجذّر - في أسفل اللوحة تتجلى الحضارة بأبراجها وأقواسها الحجرية وأسوارها التاريخية، وكأن الفنان يقول، " إن الجموح لا ينبت في الهواء، بل تضرب جذوره في عمق التاريخ والحجارة القديمة".

يُقطّع الفنانُ حميد المستويات بخطوط حرة متموجة تشبه الحبال أو الأوتار، تربط السماء بالأرض وتجعل من اللوحة كلاً عضوياً لا أجزاء متفرقة.

يُهيمن على اللوحة، ثنائية لونية صارخة، الأصفر الذهبي في مواجهة الأحمر الداكن المنبثق من أطراف اللوحة، وهي ثنائية الحياة والخطر، النور والجمر، الحلم والواقع.
كما يتمدد الأصفر الذهبي المتوهج، في مركز اللوحة كشمس داخلية لا تغرب، يحمل في طياته وفق فهمي للألوان "الوعي والبعث الروحي والإبداع والقدرة على الاصطفاء". 

وقد أجاد حميد نوفل في توظيفه لعجينة هذا اللون لتكون حاملاً للشكل الإنساني الرئيسي، كأنه يقول "الإنسان خُلق من ضوء لا من طين".
ثم استخدم الأحمر الداكن الذي يكتنف الأطراف، ليس أحمر الدماء الرخيصة، بل هو أحمر الطاقة المكبوتة والإرادة المشتعلة التي تحرق ما حولها كي لا تحترق هي، وقد تعامل معه الفنان بحذر الصائغ الذي يعرف أن هذا اللون "خُلق مميزاً منبهاً حاراً متدفقاً مخترقاً" لا يُمسك إلا بيدٍ واثقة.

وجاء البني والأوكر الترابي في المستوى الأدنى يُرسّخان الانتماء للأرض والتراث، ويمنحان اللوحة ثقلها الحضاري الذي يحول دون طيرانها بعيداً عن جذورها، طرزها باللمسات الخضراء الخجولة المتناثرة في الأسفل والتي تقول ما لا تقوله مساحات الألوان الكبيرة، تقول "إن الحياة لا تزال ممكنة حتى وسط الجمر".


لقد اختار نوفل عنوان "جموح" كمفتاح للولوج إلى أعماق هذا العمل، لأن الجموح في اللغة هو الخروج عن السيطرة، لكنه في الوجدان العربي ليس فوضى بل هو "شرف المقاومة" وكبرياء الروح التي أبت الترويض.
 وبهذا المعنى تحمل اللوحة في طياتها وجوها كريستالية من الجموح - منها جموح "الروح الإنسانية" على الاستسلام والانكسار، متجسداً في الشكل البشري المتصاعد كلهب لا كجسد.


وجموح "الأسطورة والتراث" على النسيان، متجلياً في الكائنات الطائرة التي تستحضر عنقاء الخيال العربي وأساطير بلاد الرافدين وطيور الروح في الموروث الشامي، وجموح "الحجارة والتاريخ" على الفناء، متمثلاً في الأبراج والأقواس المرسومة في القاع، صامدة تحت كل هذا اللهب كما صمدت مدن بلاد الشام أمام عواصف التاريخ.


وهنا يبدو ان الفنان يطرح سؤالاً فلسفياً بالألوان لا بالكلمات - هل الجموح فضيلة أم جريرة؟ ويتركك كمتلقي معلقاً بين الشكل الإنساني الصاعد والحجارة الصامدة في الأسفل لتجيب بنفسك مستعيناً بالمقامات الموسيقية التي صاغها الفنان حميد  على مقام الحجاز المشحون بالشوق والتوتر الروحي، تتخلله نبضات من مقام النهاوند، حيث الحزن الجميل الذي لا يُكسر بل يُبني ويقوي، ففي المناطق الصفراء المتوهجة تسمع صوت الربابة تعلو وتُصعد، وفي الأطراف الحمراء الداكنة تسمع الطبل يُحذّر ويُنذر، وفي القاع الحجري تسمع الناي يبكي أمجاداً لم تمت بعد، إنه مقام من يحب ولا يُهادن، يغني للجمال ولا يساوم عليه.


أخيراً يُطلعنا حميد نوفل من خلال "جموح" على رؤية فنان يعيش تناقضات بلاده ولا يهرب منها، بل يُحوّلها إلى لوحة. فالإنسان في هذه اللوحة لا يسقط رغم كل النار من حوله، والتراث لا يندثر رغم كل ما يعلوه من أعاصير، والجموح ليس تمرداً على الجذور بل هو تمرد على الاستسلام.

هذا العمل في نهاية المطاف معزوفة لونية تقول ما عجزت عنه الكلمات في زمن كثرت فيه الأقفاص وقلّت فيه الأجنحة، وكأن الفنان يُذكّرنا بأن الروح السورية- كالطائر الأسطوري في أعلى اللوحة - لا تعرف إلا التحليق.


مع خالص التقدير والاحترام للفنان السوري المبدع حميد نوفل على هذا العمل الثري الذي يستحق الوقوف أمامه طويلاً والتأمل في غايته ومغزاه.