مغارة جعيتا: بين سحر الطبيعة وأزمة الإقفال

تُعد مغارة جعيتا واحدة من أجمل المعالم الطبيعية في لبنان ومن أشهر الكهوف في العالم  حيث تختصر بجمالها آلاف السنين من التكوينات الجيولوجية المدهشة. تقع في وادي نهر الكلب، على بعد حوالي 18 كم شمال بيروت، وتتميّز بكونها نظامًا طبيعيًا فريدًا يتكوّن من كهفين مترابطين: 

مغارة عليا يمكن استكشافها سيرًا على الأقدام، ومغارة سفلى تُزار عبر قوارب صغيرة داخل نهر جوفي هادئ، ما يمنح الزائر تجربة تجمع بين المغامرة والرهبة الطبيعية في آنٍ معًا.

تحتضن المغارة تشكيلات مذهلة من الصواعد والهوابط، من بينها واحدة من أكبر الهوابط المعروفة في العالم، فيما تضفي الإضاءة الفنية داخلها مشهدًا ساحرًا يجعل الصخور تبدو كأنها منحوتات طبيعية حيّة. 

كما تشكّل مياهها مصدرًا أساسيًا لمياه الشرب في بيروت، ما يضيف إلى أهميتها البيئية إلى جانب قيمتها السياحية. وقد كانت مغارة جعيتا من المرشحين النهائيين لعجائب الدنيا الطبيعية الجديدة، وبقيت لعقود طويلة رمزًا سياحيًا بارزًا للبنان ومقصدًا للزوار من مختلف أنحاء العالم. 

وبالنسبة للزوار، تتميّز بدرجة حرارة معتدلة داخلها تتراوح بين 16 و18 درجة مئوية، مع منع التصوير حفاظًا على البيئة الداخلية، وهي وجهة مناسبة للعائلات والسياح الباحثين عن تجربة فريدة.

لكن هذا المعلم الطبيعي الاستثنائي لم يعد متاحًا كما كان في السابق، إذ يمر اليوم بأزمة إدارية معقّدة أدّت إلى إغلاقه لفترات طويلة. 

تعود جذور هذه الأزمة إلى أواخر عام 2024، حين أُغلقت المغارة بعد وفاة مدير الشركة التي كانت تتولى تشغيلها، ما خلق فراغًا إداريًا وأوقف النشاط السياحي فيها. ومع انتهاء عقد التشغيل وعدم جاهزية الجهة التي يفترض أن تستلم الإدارة، تأخر إعادة فتحها رغم التوقعات التي أشارت إلى إمكانية استئناف العمل في ربيع 2025.

لاحقًا، جرت محاولات لمعالجة الوضع عبر اتفاق مؤقت لتشغيل المغارة إلى حين إجراء مناقصة جديدة، إلا أن هذه الحلول لم تُنهِ الأزمة بالكامل، بل فتحت الباب أمام إشكاليات إضافية تتعلق بطريقة الإدارة واحترام الشروط القانونية والبيئية. 

كما أن العقد المؤقت محدد بمدة زمنية تنتهي في عام 2026، ما يجعل مستقبل إدارة هذا الموقع الفريد مرتبطًا بإطلاق مناقصة جديدة تضمن استدامته وحسن تشغيله.

وقد زادت الضغوط بعد حوادث أثارت جدلًا واسعًا، مثل إقامة نشاطات داخل المغارة، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة وصلت إلى الإقفال المؤقت للتحقق من أي أضرار محتملة. 

وفي ظل استمرار التعقيدات القانونية والإدارية المرتبطة بإعداد دفتر الشروط وإطلاق التلزيم الجديد، تكبّد القطاع السياحي خسائر كبيرة، وخسر لبنان أحد أبرز مقاصده الطبيعية.

اليوم، تقف مغارة جعيتا عند مفترق طرق حاسم: إما استعادة دورها كواجهة سياحية عالمية تنبض بالحياة، أو البقاء رهينة التخبط الإداري. 

وبين هذا وذاك، يبقى سحرها ثابتًا… صخورٌ صامتة تروي قصة الزمن، بانتظار أن تُفتح أبوابها من جديد ويعود النبض إلى أعماقها، لتستعيد مكانتها كأحد أجمل كنوز لبنان.