
عندما نتحدث اليوم عن البرمجة والذكاء الاصطناعي والحواسيب التي أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا، قد يبدو عالم البرمجيات وكأنه نتاج عصر التكنولوجيا الحديث. لكن جذور هذه الفكرة تعود إلى القرن التاسع عشر، إلى امرأة امتلكت رؤية سبقت عصرها بعشرات السنين، هي آدا لوفلايس (Ada Lovelace)، التي تُعرف على نطاق واسع بأنها أول مبرمجة في التاريخ.
ولدت آدا لوفلايس في 10 كانون الأول/ديسمبر 1815 في لندن، وكانت ابنة الشاعر البريطاني الشهير اللورد جورج غوردون بايرون، لكنها اتجهت في حياتها بعيدًا عن الأدب والشعر نحو الرياضيات والعلوم.
وقد تلقت تعليمًا خاصًا في الرياضيات والعلوم، وهو أمر كان استثنائيًا بالنسبة إلى النساء في بريطانيا في ذلك العصر.كان اهتمامها بالرياضيات عميقًا، لكنها لم تنظر إليها باعتبارها مجرد أرقام وحسابات، بل رأت فيها وسيلة لفهم العالم وبناء أنظمة يمكنها معالجة المعلومات.
في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، التقت آدا بالعالم والمخترع البريطاني تشارلز باباج، الذي كان يعمل على تصميم آلة ميكانيكية أطلق عليها اسم المحرك التحليلي (Analytical Engine).
كانت آلة باباج مشروعًا طموحًا للغاية بالنسبة إلى عصرها. فقد صُممت لتكون آلة حسابية عامة يمكنها تنفيذ سلسلة من العمليات وفق تعليمات محددة، وهي فكرة تشبه من بعض الجوانب المبدأ الأساسي للحاسوب الحديث.
أدركت آدا أن أهمية الآلة لا تقتصر على إجراء العمليات الحسابية، بل يمكن أن تكون قادرة على معالجة الرموز والمعلومات وفق تعليمات منظمة.وهنا ظهرت رؤيتها المميزة.
في عام 1843، ترجمت آدا مقالًا للمهندس الإيطالي لويجي مينابريا حول المحرك التحليلي، وأضافت إلى الترجمة مجموعة طويلة من الملاحظات الخاصة بها.وكانت إحدى هذه الملاحظات تتضمن سلسلة من التعليمات لحساب أعداد برنولي باستخدام المحرك التحليلي.ولهذا السبب يعتبرها كثير من المؤرخين والعلماء أول شخص نشر خوارزمية صُممت لكي تنفذها آلة، وبالتالي تُعد على نطاق واسع أول مبرمجة في التاريخ.واللافت أن هذه الخوارزمية كُتبت قبل ظهور الحواسيب الإلكترونية الحديثة بنحو قرن كامل.
ربما تكون أهم مساهمات آدا لوفلايس الفكرية أنها لم تتعامل مع المحرك التحليلي باعتباره مجرد آلة حاسبة.لقد تخيلت أن الآلة يمكن أن تتعامل مستقبلًا مع أشياء تتجاوز الأرقام، مثل الموسيقى والرموز والمعلومات، إذا أمكن تحويلها إلى قواعد وتعليمات يمكن للآلة معالجتها.
كانت هذه الفكرة شديدة الجرأة في القرن التاسع عشر؛ فالآلة لم تكن موجودة أصلًا بالصورة التي تخيلتها آدا، ومع ذلك كانت تتصور إمكانات الحوسبة بطريقة تقترب من مفهوم الحاسوب متعدد الاستخدامات الذي نعرفه اليوم.ولهذا لا تكمن أهمية آدا في أنها كتبت تعليمات حسابية فحسب، بل في أنها رأت إمكانات الحوسبة قبل أن يصبح الحاسوب واقعًا.
يُستخدم لقب «أم البرمجة» أو «أول مبرمجة» عند الحديث عن آدا لوفلايس، خصوصًا بسبب ملاحظاتها وخوارزميتها المتعلقة بالمحرك التحليلي.لكن من الناحية التاريخية، من الأدق القول إنها من أبرز الرواد الأوائل في تاريخ البرمجة، وأنها ارتبطت بأول خوارزمية منشورة صُممت للتنفيذ بواسطة آلة.
وهذا التمييز مهم، لأن تاريخ الحوسبة لم يكن عمل شخص واحد؛ فقد ساهم باباج في تصميم الآلة، بينما قدمت لوفلايس أفكارًا وخوارزميات ورؤية نظرية مهمة لما يمكن أن تصبح عليه الآلة.
لم تعش آدا لوفلايس طويلًا. فقد توفيت في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1852، عن عمر لم يتجاوز 36 عامًا.لكن أفكارها بقيت حاضرة، وعندما تطورت علوم الحاسوب في القرن العشرين، عاد الباحثون إلى كتاباتها وملاحظاتها باعتبارها جزءًا مبكرًا ومهمًا من تاريخ التفكير الحاسوبي.
واليوم يحمل اسمها أحد أشهر لغات البرمجة، وهي Ada، التي طورتها وزارة الدفاع الأميركية في القرن العشرين وسُمّيت تكريمًا لها.كما يحتفل عالم التكنولوجيا كل عام بـ يوم آدا لوفلايس لتسليط الضوء على مساهمات النساء في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
من المثير للتأمل أن الخط الذي بدأ مع أفكار آدا لوفلايس في القرن التاسع عشر امتد، عبر مراحل علمية وتقنية عديدة، إلى الحواسيب الإلكترونية ثم الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي.كانت آدا تنظر إلى آلة لم تُبن بالصورة الكاملة التي تخيلها باباج، ومع ذلك حاولت أن تتصور ماذا يمكن أن تفعل الآلة إذا أُعطيت مجموعة منظمة من التعليمات.
وهذه هي الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها البرمجة اليوم: تحويل المشكلة أو الهدف إلى خوارزمية وتعليمات يستطيع الحاسوب تنفيذها.
لذلك تبقى قصة آدا لوفلايس أكثر من قصة امرأة كتبت خوارزمية في القرن التاسع عشر؛ إنها قصة إنسانة رأت المستقبل في آلة لم يكن العالم مستعدًا بعد لرؤية إمكاناتها.آدا لوفلايس… امرأة عاشت في عصر الآلات الميكانيكية، لكنها ساعدت في فتح الباب أمام عصر الحواسيب.